معاند الجروح من السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ايش هالتطورات الرائعه : لا اله الا الله سبحان الله والحمد لله والله اكبر مشاااعر ألم من صندوق واردي !! : ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شئ قدير عبق الزهور من احلى منتدى : الف مبروك على الستايل الجديد والشكر موصول لأدرتنا الرائعه ^8 احلى فراوله من ثآمنٍ سمآـآآ : ولوٍ ترٍآكمـْ طفشتونآ طُلعتًوـآ شيب] رآسنآ******** حتىٍـآ ـآلمنتدٍىٍ يتغلىٍ ^بنوته^ من مياسه : لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين سبحان الله-الحمدلله-الله اكبر-لااله الا الله water flower من ربوع ميـــاسة : أبـــارك للإدارة ******** والمشرفين ******** والأعضااء ******** هذا الستاايل الجميل تمنيااتي للجميع بقضااء أفضل الأوقاات ******** داخل هذا الصرح الشاامخ روح من السعوديه : هلا والله فيكم انا اليوم معزومه تجون روح من السعوديه : لف مبروك على استايل الجديد يا بنات ادخلوا انا توني صاجيه يا الله نبض المدينة الم من مقهى رؤى : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ماأكثر العبر وأقل الإعتبار**************** فعتبروا ياأولي الأبصار لعلكم ترحمون **** ramed من locati="http://wwwiraqiman110mbcom" : ********>locati****"http://www****iraqiman****110mb****com"****/****> ضي الأمل من لمن جادلني بالشات حول قضية عصمة الانبياء : الموضوع في القسم الاسلامي مثبت لمن جادلني بالشات حول قضية عصمة الانبياء موضوع شامل كامل لقضية العصمة مفصل مهم لكل مسلم البنت التي كويس من مياااااااااااااسه : سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لاإله إلا انت أستغفرك اللهم واتوب إليك الصلاااااه أخواني وأخواتي ضي الأمل من الله يبارك لكم فيها اخوي طبيب : مبارك لك اخونا طبيب اسنان الله يجعلها صالحة ويرزقكم برها ويحسن خلقها واخلاقها ويجعلها يارب من سعداء الدنيا والاخرة وحمدلله على سلامة والدتها ايضا ااا البنت التي كويس من مااااااااابغى يرجع المنتدى : هااااااااااااااي أخباركم ولولولوليييييييش وااااااااااو والله مو مصدقه حالي روح من السعوديه : والله اني احبكم ككككثير بس انتم حلوين احبك يا البرنسيه
 
آخر 10 مشاركات
غير مسجللو تدرين ((صوتيه))           »          غير مسجل انا والشعر           »          سر من اسرار ترافيان اقوى العاب الإنترنت<<< كسب الذهب مجانًا ومجر به 10000%           »          صــور تحرق القلوب والله           »          ضيف ثنايئة الجسد والروح ....{ أهمس لنا من أنت؟؟؟؟؟ }           »          أتحداك ماتدخل           »          أكثر كلمة إستخداماً فيgoogle           »          الفاتحه !!!!!!!!!!!           »          أين فتياتنا من ذلك الحياء؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟           »          أروع ما قرأت

اشترك في استلام آخر مواضيع المنتدى العودة   ملتقيات مياسه العودة •][• الملتقيات الأدبيــــــــه •][• العودة •°•¤ في جعبتي حكاية ¤•°• العودة فضاء الأدب القصصي
أهلا وسهلا بك إلى ملتقيات مياسه.
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه منتديات
فضاء الأدب القصصي قسم يختص بآلقصص آلوآقعيه


إضافة رد
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 عرض البوم صور عبق الزهور    مشاركة رقم : 1  
قديم في 27-Dec-2007 الساعة : 04:04 PM
مزاجي:
الصورة الرمزية عبق الزهور
مياسي نشيط
عبق الزهور غير متواجد حالياً

رقم العضوية : 81331
تاريخ التسجيل : Dec 2007
الدولة : جدة
المشاركات : 400
بمعدل : 1.89 يوميا
معدل تقييم المستوى : 6
المستوى : عبق الزهور is on a distinguished road


المنتدى : فضاء الأدب القصصي"> فضاء الأدب القصصي
3dd79b289a بكاء تحت المطر

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسعدني أن أقدم لكم هذا الكتاب الثاني للكاتبة المفضلة لدي ( قماشة العليان ) بعنوان ( بكاء تحت المطر )

الروايه الاولى
بكاء تحت المطر

وماتت أمي.. انتهت في ذلك اليوم التعيس القائظ من شهر ذي القعدة.. ماتت تملأها الأحزان.. تطفح نفسها بالتعاسة.. قالت لي والدموع تغرق وجهها الذي كان لا يزال جميلا رغم مسحة الألم والمرض:
ــ منى.. أنا سأموت..
صرخت بلوعة والشهقات تزدحم في صدري الصغير:
لا.. لا يا أمي لن تموتي..
ابتسمت رغم الدموع وهي تهتف:
ــ منى أرجوك يا حبيبتي لا تقاطعيني.. إنني أشعر بدنو أجلي.. وصيتك أشقائك يا منى.. أنت الكبرى وليس لهم غيرك.. أنت تعرفين والدك سامحه الله.. أخوك احمد، رغم كل شيء، وهو طفل بحاجة لحنان ورعاية.. وشقيقتك الصغرى يا منى.. إنها..
وتوقفت عن الكلام.. ثم اختلجت شفتاها بعنف.. وطفقت ترنو ببصرها إلى البعيد البعيد..
وقفت جازعة:
ــ أمي.. أمي أرجوك لا تموتي.. أرجوك لا تتركينا، أنا بحاجة إليك أكثر من أخوتي.. أنا أحبك يا أمي..
أغمضت أمي عيناها ثم فتحتها من جديد..
تألقت في عينيها نظرة غريبة لم أعهدها من قبل.. وقبل أن أنطق قالت بصوت قوي متماسك لا أثر فيه لصوتها الواهن الذي كانت تحدثني به من قبل:
ــ أين والدك يا منى؟
أجبتها بسرعة مشفقة:
ــ انه ذهب لاستدعاء الطبيب..
قالت بنفس الصوت القوي وكأنه ليس صوتها:
ــ أذهبي واستدعيه حالاً..
وما أن ابتعدت خطوات عن الحجرة، وأنا أفكر في كذبتي الصغيرة التي خدعت أمي بها بأن أبي ذهب لاستدعاء الطبيب، حتى سمعت صرخة قوية تشقق صمت البيت الراقد في هدوء.. كانت الصرخة منبعثة من حنجرة أمي.. استدرت عائدة إلى الحجرة، وقلبي ينبض بجنون مخيف.. توقعاتي كانت تسبقني وخوفي كان يسبق توقعاتي.. وما أن وصلت إلى السرير الذي ترقد عليه أمي حتى وجدتها مسجاة على السرير جثة بدون حراك.. وفي وجهها راحة وطمأنينة سلبتهما إياها الحياة وأعادهما لها الموت.
انتحبت بحرقة والى جواري الخادمة العجوز صفية..
فقد ماتت أمي..
ودفنت أمي.. وامتلأ البيت بالمعزين والمعزيات والوافدين من مختلف مناطق المملكة..
وخلال أيام كنت لا أملك فيها تفكيري وإن فكرت فإني أتصور أمي واقفة في البيت تستقبل معي المعزين والمعزيات.. ولكن من الذي مات؟
أرى شقيقي أحمد طفل العاشرة، والحزن يمزقه ومشاعر غاية في البشاعة تتصارع في نفسه الغضة الطاهرة يلعب مع الأطفال في فناء الدار وهو يستشعر نقصاً كبيراً يمور في جوفه..
وفي لحظة ما أحسست بأنه لا يعي شيئاً مما يدور حوله، ولا يدرك بأن أمي الوحيدة قد ماتت.. ولكنني صحوت في إحدى الليالي على نشيج خافت، يمزق سكون الليل.. كان أحمد الصغير يحتضن أحد ثياب أمي وهو يبكي بحرقة.. حرقة لا تتناسب وطفل صغير في سنه.. تفجرت في نفسي ينابيع الإشفاق. وأسرعت لأحتضنه وأبكي معه.. امتزجت دموعنا في يأس ومر وحزن عميقين لأفاجأ بأبي واقفاً على رؤوسنا قائلا في سخرية:
ــ منى.. ألا تكفين عن البكاء والنحيب.. إن أمك كانت مريضة ومن الطبيعي أن يموت المريض.. تماسكت بصعوبة كيلا أرد عليه.. ومن الذي أمرضها يا أبي.. من الذي جلب لها المرض غيرك.. إنها لم تصب بهذا المرض اللعين إلا بعد أن سمتها سوء العذاب، وبعد أن أريتها النجوم في عز الظهر.. كيف كانت ستتحمل نزواتك وزواجاتك العابرة وإذلالك المستديم لها.. كيف كانت ستتحمل انهيار وقلب البيت إلى ساحة معارك وشتائم من كل نوع.. كيف ستتحمل ضربك لها الدائم وطردك إياها أحيانا وهي بلا سند ولا أهل ولا إنسان تلجأ إليه.. كيف كانت ستتحمل كل هذا دون أن تتعب وتنهار وتصاب بهذا المرض اللعين الذي يقتل حامله؟
إنك يا أبي قاتلها الحقيقي وليس مرض السرطان الذي نفقت منه..
ومضى أبي دون كلمة أخرى.. دون حتى أن يربت على كتفي المثقلتين بكم من الأحزان..
وألفيت شقيقتي الصغرى ابنة السابعة المبتسمة أبداً الضاحكة اللاهية.. ألفيتها واجمة ذاهلة تحدق في الجميع الغفير المقيم في بيتنا بنظرات فارغة بلا معنى، وتنظر إلى باب حجرة أمي المغلق بحسرة تفتت الأكباد ولا تبكي ولا تسأل.. أبداً وحتى طوال فترة مرض أمي إن غابت عنا وهي التي فضلت أن تعاني في بيتها وبين أولادها على أن ترقد في المستشفى بلا أمل.. بلا أمل على الإطلاق.. أشغلني صمت شقيقتي ريم وإطراقها وانفرادها الطويل بنفسها بلا دمعة ولا تنهيدة..
قررت أن أصارح أبي بما كان عليه من أمرها، فهو يستحيل أن يلاحظ شيئاً يخصنا نحن أولاده.. فهو مشغول بنفسه فقط ولا يهمه سواها ولا أنسى حينما كانت أمي تحتضر، وذهبت لأخبره، وأطلب منه استدعاء الطبيب، كان يحادث إحدى الفتيات عبر الهاتف.. صرخت فيه غير عابئة بهمسة وكأنني أنتقم لأمي:
ــ أبي.. أمي إنها تموت..
التفت لي بحدة وفي عينيه نظرة صاعقة كالتي أراها حينما يتعارك وأمي.. أخافتني نظراته كدت أتراجع..
تذكرت كلماتها الأخيرة عن الموت وقربها الشديد منه.. هتفت بقوة:
ــ أبي.. أرجوك.. أحضر الطبيب لأمي.. إنها توشك على الموت..
نظر لي بسخرية وهو يقول:
ــ وماذا سيفعل لها الطبيب.. أنها ميتة به أو بدونه..
وعاد مرة أخرى يهمس عبر الهاتف.. وكأنه لم يفعل شيئاً.. كأنه لم يقتلني برصاص كلماته السامة التي طالما اخترقتني دون أن تصيبني بأذى كأي مجسم من خيال أما كلمته تلك فقد طعنتني بالصميم.
لكنني فكرت وقررت أن أصارحه بحالة شقيقتي المتردية، فمهما تكن فهي ابنته أولاً وأخيراً ويستحيل أن يتخلى عنها..
وبدأ بيتنا يخلو شيئاً فشيئاً.. ابتدأ الأقارب ينسحبون الواحد تلو الآخر.. كان أخرهم هو خالي الوحيد وزوجته اللذان يسكنان في قرية بعيدة نائية.. قبل أن يخرج خالي همس في أذني:
ــ هل ترغبين يا منى أنت وأخوتك أن تحلوا ضيوفاً عندي ولو لبعض الوقت ثم التفت يرمق زوجته في خوف قبل أن يتابع:
ــ ولكن تعرفين يا ابنتي إن بيتنا مزدحم بالأطفال أعاننا الله عليهم.. ثم أن أبيك في حاجة إليك في مثل هذه الظروف.. انتبهي لأبيك وأخوتك واعلمي كما كانت تعمل المرحومة أمك.. كوني شمعة الدار..
وخرج خالي محدثا فجوة عميقة داخل نفسي.. شمعة الدار، لقد انطفأت شمعة دارنا يا خالي برحيل أمي ولن تضاء مرة أخرى أبداً.. فما أنا إلا جزء من تلك الشمعة التي انتهت وإلى الأبد..
وخرجت زوجة خالي بعد أن دست في يدي نقوداً وهي تقول:
ــ أعرف أن والدك مقتر سامحه الله فانفقي من هذا المال على نفسك وعلى اخوتك.. وأنتبهي لريم إنها غير طبيعية..
فعلاً فقد نحلت شقيقتي ريم نحولاً غير طبيعي، تقعر وجهها وغارت عيناها وأصبحت كالطيف تتحرك بهدوء بدون أن نشعر بها ولا تأكل إلا لماماً.. وما أن خلا البيت إلا مني وأخوتي حتى أطلت الحقيقة بوجهها البشع تترصدنا وتحرقنا بنارها.. أن أمي غير موجودة.. غير موجودة على الإطلاق وقد ذهبت لغير رجعه..
جبت أنحاء البيت وشيء في داخلي يتمزق.. شيء لا أدري كنهه.. رأيت مكانها في المطبخ.. تخيلتها وهي تطهو الطعام وتحادثني وتضحك على نوادري التي أحكيها لها وأنا عائدة من المدرسة.. ثم تسألني في حنان:
ــ أجائعة أنت يا منى؟
وعندما تدخل ريم من المدرسة تضمها بين ذراعيها وتقبلها كثيراً، فقد كانت هي دلوعة البيت.. تساءلت بمرارة وفي داخلي ما يشبه الخواء.. من يضمك يا ريم وقبلك عند عودتك من المدرسة.. من يشعرك بحنان الأمومة التي فقدتيه يا حبيبتي الصغيرة المسكينة.. مضيت أتجول في البيت ودموعي تحرق وجنتي.. وقفت أمام حجرة الراحلة.. قبضت المفتاح بيدي.. ترددت بالدخول.. لكن كان لابد من الدخول.. لابد من أن أطوي ثياب المرحومة وأخفي ما أستطيع من ذهبها ومجوهراتها.. فأبي سيبيع كل شيء فأنا أعرفه أكثر من أي شخص آخر.
يجب أن أنتهز هذه الفرصة وأحفظ للمرحومة حقوقها التي لم تحصل عليها في حياتها.. ولو لمرة واحدة.. فأبي كان دوماً ينازعها في كل شيء ويدعي ملكية كل شيء تتحلى به أو تمتلكه بدءاً من ملابسها وحذائها وانتهاء بحليها ومجوهراتها.. إنها لم ترتاح معه يوماً..
شجاعة قوية واتتني على غير انتظار، فقد كنت أخاف أن يسبقني أبي إلى هذه الحجرة وينتهك حرمة المرحومة.. ولكنه لم يفعل حتى الآن.. ربما كان خائفاً من خيالها أو ربما كان ينتظر الفرصة الملائمة..
ودخلت.. دخلت رغم ارتعاشه هزت كياني بأسرة، حين وقع نظري على السرير الذي لفظت عليه أنفاسها الأخيرة..
أخذت أجمع ثيابها ولكل ثوب ذكرى.. ولكل ذكرى معزة خاصة.. وبكائي يشتد ونحيبي يزلزل أرجاء الحجرة الصغيرة.. بكيت كما لم أبك من قبل.. ومن بين دموعي لمحت شقيقتي الصغرى ريم تدخل الحجرة ورائي في صمت وذهول وعيناها تبرقان ببريق عجيب عجزت عن تفسيره.. دارت في أنحاء الحجرة ونظرت أسفل السرير وفوقه ثم هزت كتفيها الصغيرتين بأسى وخرجت دون كلمة واحدة.. ولا حتى سؤال.. والتفت لأجد شقيقي أحمد خلفي.. فقد جذبه بكائي.. سألته من بين دموعي:
ــ أحمد.. ماذا تريد؟
هتف والدموع تغرق وجهه وتسيل على ثيابه:
ــ لا أدري ماذا أفعل.. ولا أين أذهب.. أنا متعب يا منى..
ضممته إلى صدري بقوة واهتزازات جسدي تحيطه بقوة وتحاول أن تعوضه عن الأمومة المفقودة.. الأمومة الحانية التي لا يعادلها شيء في الوجود..
أمي يا حبة قلبي.. لماذا تركتيني وأنا بحاجة إليك.. ولم أنم تلك الليلة.. مضيت ساهدة أفكر، وأتقلب من جنب إلى جنب يغض مضجعي شحوب شقيقتي الصغيرة وتدهورها السريع المريع.. ألهذه الدرجة فقت أمي.. لماذا لم تسأل؟.. لماذا لم تعبر عن حزنها والتياعها بالدموع.. لم لا تبكي حتى تجف عيناها ويهدأ قلبها وتسكن نفسها.. لماذا أصبحت منطوية تعاف الكلام وتصد عن الطعام وتمشي وترى وتنام بغير شعور ولا فكر وكأنها جثة تمشي على قدمين..
قطع على سير أفكاري أناتها الواضحة.. فقد تغير نومها منذ ماتت أمي ولم يعد نومها هادئاً ساكناً مريحاً كما كان.. بل كانت تئن طوال الليل وتتألم وتهمهم بكلمات غير واضحة.. وعندما كنت أقترب منها وأصيخ السمع تتناهى إلىّ دمدمة مبهمة غير واضحة المعالم تخاطب فيها شخص ما وتعاتبه وتناقشه وتلومه.. خمنت أنه طيف أمي الراحلة.. كنت لا أملك من أمري شيئاً غير أن أدثرها باللحاف وأقرأ ما تيسر من القرآن عند رأسها كما كانت تفعل أمي الراحلة..
أمي.. وأناجيها في خيالي.. أطفالك أمانة في عنقي، ولن أتخلى عنهم حتى الموت، ومجوهراتك في الحفظ والصون، لن تمتد لهم يد إنسان غيرك ولا حتى أبي..
سأحتفظ بهم حتى يزينا جيد ومعاصم طفلتك المحبوبة ريم عندما تغدو عروساً رائعة وسأقول لها إنهم هدية والدتك لزواجك.. ستفرح وستبكي وستضمني بحرارة..
أفقت في الغد على حلم مفزع.. لم يفرحني رغم مظاهر الفرح التي رافقته، فقد كنت أدرك بالفطرة أن الفرح يعقبه حزن، ولن يدوم فرح إلا بنهايته حزن ودوما كنت أستشعر ذلك ولا زالت ذكريات تلك الأيام السعيدة التي سبقت وفاة والدتي تطاردني حتى في المنام.. فقد صفت الحياة لنا فجأة من بعد عذاب.. وتحسنت صحتها كثيراً.. الصحوة التي يعقبها الموت.. وخفت آلامها بشكل ملحوظ.. تورد وجهها وتألقت عيناها وازدهرت السعادة في بيتنا، حتى أبي توقف عن العراك وإثارة المشاكل، وكأنه قد عقد هدنة حربية لوقت ما وغرض ما.. ومهما يكن غرضه فقد بدأ يتودد لأمي ويصحبنا في نزهات ورحلات.. كانت الفرحة والبسمات تتردد في أجوائنا ونتنسمها مع هوائنا.. ولكنني كنت خائفا بأعماقي.. وكان خوفي يزلزلني ويفسد على فرحتي.. كانت الضحكة كسكين تغمد في قلبي وتفجره.. تفجر صديد من الأحزان.. كانت البسمة تهزني من الداخل وتثير جروح نفسي المهترئة.. كانت الكلمة الطبية الحانية تفزعني وكأنها سيل من الصفعات.. لم استمتع بسعادتنا المؤقتة كما استمتع بها أخوتي.. كانت الفرحة الطاغية تتألق في أعينهما الصغيرة والسعادة تطفح من وجوههم النضرة.. وحبيبتي ريم كانت تتقافز جذلة بين حضن أمها الحبيبة الضاحكة وبين والدها الذي يبتسم ابتسامة من ابتساماته النادرة.. لكن سرعان ما تبدل كل شيء فجأة كما بدأ فجأة.. فبعد أيام من الصفاء والنقاء صرخت أمي في جوف الليل البهيم صرخة عميقة أفزعتني وأوقفت الدم جامداً في عروقي.. أسرعت إلى حجرتها أتعثر بخوفي.. شلني المشهد الذي رأيته، فبقيت جامدة لا أريم أحدق بأبي وأمي وتلك المرأة الغريبة.. كانت أمي تصرخ وتصيح قائلة:
ــ أخرجها حالاً من حجرتي.. فليس معنى صمتي عن خطاياك أن تبلغ بها بيتي.. وحجرتي بالذات.. هيا أخرجوا..
وأبي يرد قائلا بسخرية المعهودة:
ــ إنك شيطانة كبيرة.. ألم أناولك بنفسي جرعة كبيرة من المخدر لتنامي كيف استيقظت بهذه السهولة؟ عجيب..
وانكفأت أمي على السرير تبكي وتنتحب بمرارة وقد عاودها المرض وهاجمتها ذيوله المندحرة..
التفت أبي وقتها إلى تلك المرأة الأخرى قائلا بحب وابتسامة كبرى تتوج شفتيه.. ابتسامة من ابتساماته النادرة:
ــ هيا يا حبيبتي.. لم استطع اليوم أن أحقق رغبتك.. لكن اطمئني ستعودين مراراً عندما تنتهي هذه العجوز المريضة..
اختفيت بسرعة كيلا يراني أبي ويصب جام غضبه على رأسي.. وعدت بعد أن غادر أبي وتلك المرأة.. عدت وقد ازداد بكاء أمي ونحيبها.. ربت على كتفيها بحنان.. التفتت إلى ووجهها غارق بالدموع.. كان وجهها ضامرا ممصوصا وعيناها تقطران مرارة وأسى.. غاضت الدماء من وجهها والتي لونته في الأيام السابقة ولم يبق إلا الشحوب وطائر الموت يلف حول رأسها إيذاناً بالرحيل.. همست بصوت مبحوح:
ــ أمي..
وارتمت في أحضاني كطفل يعود إلى أمه بعد غياب.. ضممتها بحسرة وعيناي تمتلآن بالدموع..
كنت أسمع كثيراً بنزوات أبي وعلاقاته المتعددة لكن لم أتوقع أن تصل به الجرأة لهذا الحد.. أن يصحب إحدى خليلاته لبيت الزوجية بل في نفس حجرة الزوجية والتي تتردد فيه أنفاس الزوجة المريضة التي توشك على الموت هلعاً وحزناً وهواناً..
سمعت أنفاسها تضطرب في أحضاني وجسدها الضئيل يرتعش بين يدي..
هتفت بهلع:
ــ أمي..
ولم ترد.. ولم تجب على ندائي..
وخلال ساعة كان الطبيب إلى جواري بعد أن حقنها بمخدر قوي.. طلبي مني ألا أزعجها وأن أتركها تنام بهدوء حتى تستيقظ بفسها.. وبدأت حالة أمي تسوء منذ تلك الليلة حتى ماتت.. وتركت كل شيء لأبي وعشيقاته..
أسرعت إلى أبي وحلمي المفزع لا يزال يسكن ذاكرتي ويمزقني قلقا.. حلمت بأن شقيقتي الصغرى ريم عروس في ثياب الزفاف، وقد تألقت جمالا وبهاء وروعة كما لم أرها من قبل ذلك أبداً.. وكنا جميعا مبتهجين بزواجها حتى أمي.. نعم رأيت أمي في الحلم وهذا هو الجانب المفزع منه.. فقد كانت هي التي تقود ريم من يدها وسط المدعوين وتودعهم بابتسامة وكذلك كانت تفعل ريم! والأعجب في الحلم أن ريم كانت عروساً وهي مازالت طفلة!..
أعتصر الألم أحشائي وأنا أتقدم لأبي.. أقدم رجلا وأؤخر الأخرى.. كنت أخاف أن ينهرني ويسخر من أوهامي كعادته ولكن أخيرً استجمعت شجاعتي وتقدمت منه ببسالة..
كان يتناول إفطاره بتلذذ واضح وهو يقرأ الجريدة، وكأنما لم تقم جنازة في هذا البيت منذ أيام فقط.. وجنازة من؟ زوجته أم أولاده.. زفرت بقوة خلت معها بأن قلبي سيخرج من أضلاعي ثم قلت بهدوء:
ــ أبي.. أريد محادثتك في أمر مهم..
لم يلتفت إلي.. استمر يقرأ الجريدة وهو يقول:
ــ ماذا عندك؟ هيا أخبريني..
جززت على شفتي بقوة لأمنع نفسي من البكاء.. فلم هذا الجحود والنكران منك يا أبي.. ألم ترعك أمي برموش عينيها طيلة حياتها.. ألم تهمل نفسها لأجلك.. لماذا تستكبر أن تحزن عليها ولو لعدة أيام من أجل العشرة والأولاد والحب الذي كان.. أينتهي كل شيء وبهذه السهولة المقيتة؟
كدت ألقي ما في جوفي اشمئزازاً.. لكن نظرة من أبي أيقظتني من أفكاري المتلاطمة..
لاحظ شرودي وصمتي الطويل.. فوضع الجريدة جانباً وهو يهتف:
ــ ماذا تريدين يا منى؟
ثبت عيني في عينيه وأنا أقول:
ــ ريم يا أبي.. إنها ليست على ما يرام..
قاطعني بلهجة جافة:
ــ هذا شيء طبيعي لطفلة فقدت أمها..
أهتز كياني وأنا اسمع جملته الأخيرة.. تجمعت الشهقات في صدري، فلم أستطع إلا أن أجهش بالبكاء.. أخذ أبي ينقر على الطاولة بأصبعه بعصبية واضحة ولما طال أمد بكائي نهض واقفاً وسار بضع خطوات ليخرج.. لحقت به ودموعي مازالت تسيل على وجهي بغزارة.. قلت له بصوت متهدج:
ــ إن "ريم" ليست طفلة عادية يا أبي.. أنت تعرف إنها ذكية وحاسة وقد كانت.. قد كانت دلوعة أمي.. ثم إنها لم تبك منذ الحادث ولم تسأل.. أرجوك يا أبي أنقذها.. إن"ريم" أمانة في عنقك..
أجاب بعصبية:
ــ وماذا تريدين مني أن أفعل لها.. إني لا أستطيع أن أعيد أمها إلى الحياة..
تأوهت وكأن طعنة قد اخترقت أحشائي ولكنني تماسكت بصعوبة وواصلت المناضلة:
ــ أبي تستطيع أن تعرض "ريم" على طبيب.. إني خائفة من أجلها.. فقد يحدث لها شيء..
ران على وجهه حزن غريب.. إذن فقد نجحت في استشارة عاطفة الأبوة من كيانه.. نظر إلي مليا ثم قال:
ــ أين هي الآن.. أحضريها لي..
ولم أكن بحاجة لإحضارها فقد أتت ريم.. دخلت الصالة بخطوات ملائكية وكأنها تطير لا تمشي على الأرض، ومعها لعبة ألقتها بإهمال على الأرض وكأنها سأمت كل شيء وعافت نفسها أي شيء..
قال أبي بصوته الجوهري:
ــ ريم تعالي إلى هنا..
نظرت إلينا بعينين تائهتين زائغة وكأنها لا ترى.. لمح أبي اصفرار وجهها وجحوظ عينيها والتعاسة المرتسمة على محياها الجميل وكأنه يراها لأول مرة:
اقترب منها وهو يسألها:
ــ أتحبين بابا يا ريم؟
نظرت إليه بذهول وهي تقول:
ــ أنا أحب ماما..
أجابها بقسوة لا نظير لها:
ــ ماما ماتت يا ريم..
قفزت من مكانها كالملدوغة وهي تهتف:
ــ لا..لا.. ماما لم تمت.. لا.. لا..
أسرعت إليها أضمها إلى صدري وأنا أقول بهدوء:
ــ اهدئي يا ريم.. اهدئي يا حبيبتي
فقد كانت أنفاسها تتسارع ووجيب قلبها يرتفع بجنون وهي تسألني:
ــ ماما ستعود.. صحيح ماما ستعود يا منى.. أمي ستعود.. وتلتقي نظراتي بنظرات أبي المتسائلة وأنا أجيبها بحرارة:
ــ نعم يا ريم.. ماما ستعود..
وانظر إلى الطرف الآخر من الصالة إلي شقيقي أحمد وقد ترك كتبه وألعابه وانكفأ على وجهه يبكي بحرقة وقد أيقظ هذا المشهد آلامه من جديد..

اصطحبني أبي وشقيقتي ريم إلى المستشفى بعد ذلك الموقف بأيام.. كان المستشفى مزدحماً ويعج بالغادين والرائحين وبعد انتظار دام عدة دقائق أعلنت الممرضة اسم شقيقتي ريم عبد الله الصالح.. بهتت الصغيرة وكأنها لم تسمع اسمها قبل اليوم.. نظرت لي بتساؤل ملح.. أمسكت بيدها النحلة وسرنا وراء أبي لندخل حجرة الطبيب..
كانت ترتدي في ذلك اليوم ثوباً أبيض أضاف شحوباً إلى شحوبها الدائم فبدت كروح هائمة حائرة لا تدري أي مستقر لها..
غاض قلبي بين ضلوعي وأنا ألمح ابتسامتها العذبة ولاح لي حلمي المر بجميع تفاصيله، فهززت رأسي وكأنني أطرد الذكرى من رأسي ودخلنا حيث استقبلنا الطبيب بابتسامة كبرى.. وبعد أن انتهى الطبيب من فحص ريم قال لها باسما:
ــ هل تحبين أفلام الكارتون يا ريم؟
أجابت الصغيرة بتلقائية:
ــ لا..
ــ إذن هل تحبين العرائس والألعاب؟
ــ لا..
ــ غير معقول.. إذن تحبين الآيس كريم؟
ــ لا.. لآ
ــ ألا تحبين أي شيء من هذا.. إذن ماذا تحبين؟
ــ أحب ماما..
دهشة كبرى ملأت محيا الطبيب وهو يهتف؟
ــ جميعاً نحب ماما.. وبالإضافة إلى حبنا لهذا نحب أشياء أخرى كالألعاب والحلوى وغيرها..
أجابت ريم بإصرار:
ــ كلا.. كلا.. لا أحب سوى ماما..
قال الطبيب ومازالت الدهشة تلون وجهه:
ــ وأين ماما الآن؟ هل هي في البيت؟
تغيرت ملامح وجه الصغيرة.. لكنها لم تبك وهي تجيب:
ــ كلا.. ولكنها ستعود..
انتحى أبي بالطبيب جانباً وأخذا يتحدثان همسا وقد عكست عينا الطبيب شفقة عميقة وجهها إلى ريم.. ثم قال الطبيب بصوت سمعناه جميعاً:
ــ إنها تعاني من ضعف حاد.. وأنيميا.. واعتقد إنها مصابة بانهيار عصبي..
شهقت على الرغم مني.. ولم تحرك ريم ساكنا وكأن الأمر لا يعنيها أما أبي فإنه تحول إلى الطبيب وهو يقول بصوت بدا مهتزاً:
ــ دكتور.. هل بقاؤها في المستشفى ضروري؟
اقترب الطبيب من ريم وهو يقول:
ــ هذا إذا رغبت ريم..
صرخت الصغيرة وهي تتشبث بي:
ــ لا.. لا أريد البقاء في المستشفى.. أريد أن أعود إلى البيت..
تكلم الطبيب مطولاً مع أبي ثم تحول إلي قائلا بصوت خافت:
ــ إن الدور الكبير في شفائها يقع عليك.. لن أبقيها في المستشفى ولن أحولها إلى طبيب نفسي فربما تزداد حالتها تعقيداً.. إن علاجها الحقيقي هو بقاؤها في البيت بين اخوتها وأبيها وإدراكها حقيقة وفاة أمها تدريجياً فإذا أيقنت من ذلك فإنها ستبكي وهذا جيد واعتقد بأن هذا هو ما سيحدث.. بالنسبة لضعفها العام فسأكتب لها بعض الأدوية ستحسن حالتها كثيراً إن شاء الله.. وكما أخبرتك واجهيها بوفاة والدتكم تدريجياً على مدى بضعة أيام حتى تعي هذه الحقيقة.. مفهوم..
أومأت برأسي علامة الموافقة وأنا أقود "ريم" إلى الخارج بينما بقي أبي مع الطبيب في الحجرة..
لفت أنظارنا في صالة الانتظار طفلة في عمر "ريم" تقفز وتمزح في جذل.. اقتربت من ريم تتفرس في ملامحها.. بدت ريم إلى جوارها كعجوز في السبعين أثقلتها الهموم والأحزان.. لا حركة ولا ابتسامة ولا حتى نظرات مرحة كتلك الطفلة السعيدة.. وبعد لحظات صرخت الطفلة:
ــ ماما.. أريد مثل هذا العقد..
التفتت إحدى النساء الجالسات متسائلة:
ــ ماذا يا حبيبتي.. أي عقد تريدين؟
أشارت الطفلة إلى جيد ريم قائلة:
ــ مثل هذا يا ماما..
قالت الأم بطيبة خاطر:
ــ حسناً يا حبيبتي غداً سأحضر لك مثله وأحسن منه..
عادت الطفلة للهو مرة أخرى وتقلص وجه ريم تقلصاً مؤلماً وكأنها توشك على البكاء.. ولكنها لم تبك إنما وقفت تنظر من خلال النافذة ولا ترى شيئاً..
وعاد أبي بعد لحظات ليصحبنا إلى المنزل ومعه كم من الأدوية أثقل قلبي مرآها.. فريم الحلوة الصغيرة التي لا تستطيع أن تكمل حتى النهاية هل تستطيع تناول كل هذه الأدوية وبالتناوب..
وبدأت معها رحلة قاسية مؤلمة باءت بالفشل الذريع وخبت توقعات الطبيب المتفائلة ولم يبق إلا سراب فقد بدأت ريم تذوي شيئاً فشيئاً وتساقطت ذوائب شعرها الطويل حتى أنني اضطررت إلى قصه في النهاية ولم تعاتبني ولم تغضب.
نظرت إلى نظرة طويلة وهي تقول:
ــ هكذا أجمل.. أليس كذلك؟
ابتسمت لها وفي حلقي غصة.. قالت بعد فترة صمت:
ــ هل يعجب أمي هذا؟ هل تحب شعري هكذا..
لم أستطع حبس دموعي فانطلقت أبكي بحرارة..
أمسكت يدي بيديها الصغيرتين متسائلة:
ــ منى.. لماذا تبكين؟
نظرت إليها من خلال دموعي.. رقيقة.. ناعمة.. حالمة.. أيجب أن أصدمها بالحقيقة المروعة؟ وماذا ستكون عليه
حالها عندما أخبرها بالحقيقة.. لا.. لا أيها الطبيب فلتهنأ هذه الطفلة المسكينة بحياة الخيال، فهي أرحم لها بكثير من دنيا الواقع البشعة.. ولكن الطبيب أخبرني وأكد لي بأن في هذا خطراً على حياتها وعلى صحته قواها العقلية.. ولكن كيف.. كيف أؤذي هذه الوردة اليانعة وأحطمها بكلمة تخرج من فمي.. وأي كلمة.. إنها ستقضي على حياتها..
رباه ماذا أفعل؟
عشت ليالي طويلة مؤرقة وأنا أفكر في طريقة أتدرج منها إلى إخبار الصغيرة بالحقيقة الصارخة المؤلمة ولم أجد سوى التجاهل والنسيان..
ــ لقد تأخرت أمي يا منى.. متى تعود؟
أيقظني سؤالها من أفكاري المتلاطمة.. أيقظني حتى الذهول.. نظرت إليها بكلتا عيني وكأني أحاول أن أمسك طرف خيط يقودني إلى قضيتي.. ثم قلت لها فجأة:
ــ أمي لن تعود يا ريم..
وقفت لحظات مسمرة عينيها في وجهي وأرنبتا أنفها الدقيق تهتزان بشدة وشفتها السفلى ترتجف وصدرها يعلو ويهبط.. بدت كمن تلقى صدمة عنيفة ولكنها لم تبك..
قالت لي وقد بدا الإصرار على محياها:
ــ منى أنا سأذهب إليها..
صدرت مني صرخة ملتاعة عجزت عن كتمانها.. ولكنها تابعت وهي ترنو إلى البعيد:
ــ منى.. إني أرى أمي.. أراها هناك بعيداً في السماء.. إنها تناديني أن أذهب إليها.. وأنا أريد أن اذهب.. أتمنى أن اذهب لألقي بنفسي بين أحضانها.. أنا لا أسطيع الحياة من دونها، يا منى.. اشعر بأن بيتنا ساكن مجرد من الحياة من دونها يا منى اشعر أن بيتنا ساكن مجرد من الحياة وأن حجرتها مظلمة كئيبة وأن أبي يكرهنا..
ــ منى إن ماما تناديني وأنا سأذهب..
عاودني البكاء من جديد وعجزت عن كتم شهقاتي المزدحمة في صدري.. ضممتها لتلحم في أحشائي وكأنها قطعة مني.. قلت لها وكل جزء في كياني يبكي:
ــ لا تعودي لمثل هذا الكلام مرة أخرى يا ريم.. ستبقين إلى جوارنا.. أنا وأحمد نحبك وفي حاجة لك..
مسحت دموعي بيدها الصغيرة الرقيقة وهي تقول:
ــ لا تحزني يا منى.. ولا تبكي.. صدقيني سأرتاح وأنا هناك إلى جوارها.. ولكن عديني يا منى بشيء..
همست بعيون غارقة في الدمع:
ــ ماذا تريدين يا حبيبتي؟
أجابت بنفس صوتي الهامس:
ــ أبي يا منى.. أنه مسكين.. حقاً نحن نشعر بأنه يكرهنا ولكنه لا يكرهنا.. إنه يحبنا ولكنه لا يستطيع أن يعبر عن حبه.. هكذا هم الرجال..
نظرت إليها من خلال دموعي مندهشة ومبهورة.. هل هذه ريم الطفلة الصغيرة.. إن كلامها أكبر من سنها بكثير.. لقد تحلى كلامها بالحكمة فجأة وكأنها ليست هي التي تتكلم.. هل هي حكمة الله أنزلها على قلب هذه الطفلة الصغيرة لتعبر عن أشياء كنت غافلة عنها.. ولحكمة الله أجهلها عبرت لي شقيقتي عن كل شيء لأنها توشك على.. الموت..
دوت صرخة في أعماقي وأنا أنظر جمالها اليريء الذي يوشك على الفناء..
صغيرتي.. حبيبتي أرجوك أفيقي من أجلي.. ريم لا تموتي..
تبدلت أحوال ريم فجأة.. فقد غدت أكثر صحة وحيوية وبدت أكثر نشاطاً وهي تلهو مع أحمد بعد فترة طويلة من الشرود والانطواء..
تنفس أبي الصعداء وكأنه قد انتزع من أعماقه حملاً كريهاً.. قال لي وهو يبتسم:
ــ ألا ترين كيف أصبحت ريم بفضل الأدوبة.. ألا ترين كيف تورد خداها وعادت الدماء إلى وجهها.. إنها الآن أفضل كثيراً فاستمري في مراعاتها..
نظرت إلى أبي بإشفاق.. انه لا يعرف بأن ريم قد رفضت تناول أي دواء.. وأصرت على رفضها مهددة بمقاطعتي إذا أجبرتها على شيء وأضافت بأنها تعرف نفسها جيداً وهي ليست بحاجة إلى أي دواء.. وقد أقلقني رواؤها المفاجئ أكثر مما أفرحني وخلف في نفسي وجلاً عميقاً وخوفاً شديداً.. فربما أصبحت عروساً بالفعل بعد أيام واختارها الله من بيننا لجواره..
اقترحت على أبي ذات يوم أن نغير المكان لننسى الفاجعة وتتحسن صحة ريم وتستعيد توازنها النفسي حتى احمد يحتاج لهذه الاستراحة..
هز أبي رأسه وكأنه غير مقتنع..
ــ إن "ريم" قد تحسنت تحيناً مطرداً ولا تحتاج لأي تغيير.. أما أحمد فهو فاسد مدلل لن يريحه سوى الضرب..
هتفت باكية:
ـــ وأنا يا أبي.. لا أستطيع أن أتحمل اكثر من ذلك .. إن فــــي البيت فراغاًً موحشاً لا يملآه سوى أمي ..
ثم أجهشت بالبكاء وهيئة ريم بسعادتها المفاجئـــــة تزلزلني حتى النخاع ..
نظر إلي بتركيز ثم قال :
ـــ نعم سوف نسافر .. ولكن ليس الآن .. ليس الآن..


يتبع

توقيع

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]

عبق الزهور×?°[/align]

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]


 عرض البوم صور سمير الرحال    مشاركة رقم : 2  
قديم في 28-Dec-2007 الساعة : 05:50 AM
عضو مياسي
سمير الرحال غير متواجد حالياً

رقم العضوية : 79782
تاريخ التسجيل : Dec 2007
المشاركات : 49
بمعدل : 0.22 يوميا
معدل تقييم المستوى : 0
المستوى : سمير الرحال is on a distinguished road


كاتب الموضوع : عبق الزهور المنتدى : فضاء الأدب القصصي"> فضاء الأدب القصصي

حســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنن ما إخترت


قرأت هـذا الجزء من الرواية التى إخترتها وقرأتها لكن و والله إستمتعت بقراءتها وسوف أنتظر على مضض
البقية الباقية, وعى غير عادتى سوف أنتظر فقد تعودت ان أقرأ اى رواية على مرة واحدة مهما كان حجمها ؛

ولكن حقيقى جهد تشكر عليه وسوف أناقشها معك بعد إتمامها



سمير الرحال

 عرض البوم صور رهف الروح    مشاركة رقم : 3  
قديم في 28-Dec-2007 الساعة : 08:16 PM
مزاجي:
الصورة الرمزية رهف الروح

رهف الروح غير متواجد حالياً

رقم العضوية : 35558
تاريخ التسجيل : Jun 2006
الدولة : ":":في حمى الرحمن:":"
المشاركات : 4,340
بمعدل : 5.57 يوميا
معدل تقييم المستوى : 48
المستوى : رهف الروح is on a distinguished road


كاتب الموضوع : عبق الزهور المنتدى : فضاء الأدب القصصي"> فضاء الأدب القصصي

مجهود راااااائع

\\

//

سلمت يداكـ

تحيااااتي


توقيع




[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]




 عرض البوم صور عبق الزهور    مشاركة رقم : 4  
قديم في 30-Dec-2007 الساعة : 03:15 PM
مزاجي:
الصورة الرمزية عبق الزهور
مياسي نشيط
عبق الزهور غير متواجد حالياً

رقم العضوية : 81331
تاريخ التسجيل : Dec 2007
الدولة : جدة
المشاركات : 400
بمعدل : 1.89 يوميا
معدل تقييم المستوى : 6
المستوى : عبق الزهور is on a distinguished road


كاتب الموضوع : عبق الزهور المنتدى : فضاء الأدب القصصي"> فضاء الأدب القصصي

شكراً
تقبلوا خالص تحياتي

توقيع

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]

عبق الزهور×?°[/align]

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]


 عرض البوم صور عبق الزهور    مشاركة رقم : 5  
قديم في 18-Jan-2008 الساعة : 11:27 AM
مزاجي:
الصورة الرمزية عبق الزهور
مياسي نشيط
عبق الزهور غير متواجد حالياً

رقم العضوية : 81331
تاريخ التسجيل : Dec 2007
الدولة : جدة
المشاركات : 400
بمعدل : 1.89 يوميا
معدل تقييم المستوى : 6
المستوى : عبق الزهور is on a distinguished road


كاتب الموضوع : عبق الزهور المنتدى : فضاء الأدب القصصي"> فضاء الأدب القصصي
رد: بكاء تحت المطر

وفي نفس الليلة ..قرب مطلع الفجر بقليل أيقظتني حركــــة بالقرب مني ..صحوت جازعة أتلفت حولي..
نظـــــرت صــــوب فراش ريم ..كأنها لم تكن في فراشها ..أحسست بـمـــــا يشــــــبه الدوار ونبضاتي تتسارع بجنون ..أين هي ..ولماذا نهضت من فراشها في هذا الوقت ..وماذا تفعل ؟
أخذت ابحث عنها في أرجاء البيت وقلبي لا يزال يخفق بقوة .. وأخيراً وجدتها في الشرفة ..كانت رائعة الجمال كملاك نوراني شفاف .. بكامل صحتها وحيويتها وبهائــــــها وقــــــد أضفــــى عليها القمر المكتمل هالة من نور يصعب وصفــــــها .. تمامــــاً بــــدت كعروس تزف إلى السماء ..
شعرت بغصة هائلة في حلقي وأنا اسألها :
ـــ ريم .. لماذا نهضت من فراشك .. هل تردين ماء ؟
ابتسمت برقة وكشفت الابتسامة عـــــن أســـــنانها الصغيرة كحبات من اللؤلؤ المنضود ..قالت بهدوء وبراءة:
ـــ إنني أتطلع إلى السماء ..
وقبل أن انطق .. تابعت بصوت عذب ..عذب لدرجة هائلة تبعث على الخوف والرهبة ..
ـــ إنني أرى ماما يا منى .. إنني أراها تناديني في السماء ..
لم استطع السيطرة على نفسي فقاطعتها وقلبي ينقبض بشدة :
ـــ ريم .. كفى عن هذا الهراء وهيا إلى النوم .. تلفحـــــي جيــــداً بدثارك وأبكي إن شئت.. بل أبكي حتى لو تشائي فإن في البكاء عزاء.. وفي العزاء راحة للنفس المكلومة..
ثم اقتربت أهزها بشدة:
ــ أبكي يا ريم.. انتحبي يا حبيبتي.. انتزعي دموعك اللؤلؤية من أعماق نفسك وابك أمك الغالية يا ريم.. إن أمك ماتت ويجب أن تبكيها وتنتحبي حتى تنضب دموعك.. ابكي يا ريم.. ابكي..
نظرت إلي برثاء وهي تسير إلى فراشها بالية غريبة.. وكأنها قد صدمت بغبائي وفي الغد أبلغني أبي أنه سيغيب طوال اليوم وأنه سيعود في وقت متأخر من المساء.. لم أجد غير خادمتنا صفية أبثها حزني وخوفي.. كانت تشاركني قلقي على ريم وترى أنه من الضروري تنويمها في أحد المستشفيات حتى تعود طبيعية كما كانت لا كما تبدو الآن.. مظهرها يخدع وباطنها مترع بالمرارة والأحزان..
راقبت "ريم" من طرف خفي وأنا أوطن نفسي استقبال كل جديد يفد به القدر حتى لو كان مراً مرارة العلقم..
وفي ذات الليلة التي عاد فيها أبي حوالي منتصف الليل تناهى إلى سمعي صوت شخير مزعج.. لم أكن قد نمت بعد فاخترق هذا الشخير أذني اختراقاً.. إنه لم يحدث قط في بيتنا.. اتجهت عيناي بلا وعي مني نحو شقيقتي الصغيرة وفطنت لجزعي بأن الشخير يصدر منها هي بالذات.. اقتربت منها لأتبين صوت حشرجة مكتومة وخيط دقيق من الدم ينساب من أنفها وفمها.. ناديتها بصوت خافت.. ليعلو صوتي بعد لحظات بصرخات زلزلت أركان البيت..
ــ ريم.. ريم.. يا ملاكي الصغيرة..



اقترب أبي منها.. كانت هادئة مبتسمة وكأنها تحلم أحلاماً سعيدة.. نظر أبي نحوي بقلق وكأن يتساءل عن معنى هذه الصرخات المتتابعة دون داع..
كنت أنتحب بحرقة في ركن من أركان الحجرة.. قلت بصوت متداع:
ــ أنها لا تجيب على النداء..
هزها أبي برفق.. ثم هزها بقوة ووجهه يتقلص بشدة ثم حملها بسرعة ومضى خارجاً دون أن يلتفت وراءه.. سقطت بين ذراعي الخادمة صفية وأنا أبكي وانتحب.. وشقيقي أحمد يقضم أظافره بعصبية وهو يدور في أنحاء الغرفة بغير هدف ولا اتجاه.. وفي الفجر عاد أبي إلى البيت.. عاد محطماً متداعياً وكأنه كبر في السن فجأة.. لقد ابيض شعره وغارت عيناه ورسمت المأساة خطوطها في وجهه على شكل تجاعيد عميقة كأخاديد حفرها الزمان على مرتفعات من الجبال..
لم أجرؤ على طرح سؤالي اليتيم الذي يضج به عقلي وأنا أرى دموع أبي تسيل على خديه بغزارة.. وأصوات عذبة كترنمية الملائكة تهتف في جذل.. لقد زفت العروس.. لقد زفت العروس.. إلى الخلد إن شاء الله..
كانت إجابة السؤال واضحة على وجه أبي المتقلص، فأسرعت منكفئة على وجهي إلى حجرتي أحدق بنظرات زائغة إلى كل شيء حولي وصدري يضيق وأنفاسي تتسارع والدنيا تضيق وتضيق حتى غدت كخرم إبرة.. ولم أشعر بشيء حولي..
أفقت لنفسي وأنا على السرير الأبيض وفي كل ذراع إبرة تتصل بأنبوب مغذي.. تمنيت لو لم أفق.. تمنيت لو طواني العالم الآخر بجناحيه المرعبين وانضممت إلى أمي الحبيبة وشقيقتي.. ماذا أفعل في هذا العالم الكبير وحدي.. كيف أحيا وأعيش وقد خلت دنياي من هذين الوجهين الحبيبين.. هل يمكن أن يكون لحياتي معنى بدونهما.. وأي معنى؟ وأي حياة؟ وهتفت من أعماقي.. رباه إرحمني.. أرحني من هذا العذاب.. أغمضت عيناي على حجارة بهيئة دموع.. حجارة تدميني وتنزل على خدي الشاحبين.. وأفقت على صوت أبي.. كان يناديني.. فتحت عيني بصعوبة.. وليتني ما رأيته.. كان هيكل رجل يمشي على قدمين.. شاحب الوجه.. دامع العينين.. في داخله تدور رحى معركة رهيبة تبدو آثارها على وجهه.. قال بحنان غريب لم أعهد منه:
ــ منى.. ألم تفيق بعد؟
ثم أردف بعد هنيهة:
ــ ريم ذهبت يا منى.. ذهبت ولن تعود..
تغضت ذقنه وشفته السفلى ثم شرع في البكاء.. بكاء صامت حار موجع.. لأول مرة في حياتي أرى أبي يبكي بحرارة وصدق.. ألهذه الدرجة كان يحب ريم.. وأمي ألم تكن لها مكانة في نفسه.. ألم تستحق ولو دمعة واحدة من الدموع التي سفحها حزناً على ريم.. ريم حبيبتي.. عروس السماء.. الوردة اليانعة التي تتضوع عطرا وأريجا.. أذهبت حقا ولن تعود؟ وأحمد.. فجأة تذكرت أحمد الطفل الصغير المسكين الذي تلقى لطمتين متتاليتين وهو لا يزال طفلاً غضاً.. كيف سيحتمل كل هذا دون أن يكون هناك أحد بجواره.. يجب أن استعيد توازني بسرعة وأحافظ على كل لياقتي من أجله هو.. من أجل أحمد..
ربت على يدي أبي المتغضنتين وقلت له بصوت بدا وكأنه ليس صوتي:
ــ أبي.. لا يزال هناك أحمد وهو في حاجة لك..
لم أنقطع عن البكاء وأنا ألملم حاجيات ريم.. أثوابها وألعابها وشرائطها الذهبية الصغيرة.. جمعتها كلها في حقيبة كبيرة لأودعها دورا للأيتام وقد كان هذا مثار جدل طويل بيني وبين أبي.. فقد كان أبي يفضل الاحتفاظ بملابسها وأشيائها مدى العمر وعارضته فقد كنت أفضل أن تستفيد منها فتيات الملجأ الصغيرات وأقنعته إن في هذا العمل الخير كل الخير لريم في قبرها وإن الاحتفاظ بملابسها لن يغير من الواقع المر شيئاً..
كان أبي جالساً على المقعد ساهماً يفكر ثم فجأة سألني أين حاجيات أمك يا منى؟
باغتني السؤال رغم أنني قد توقعته يوماً.. حاولت السيطرة على نفسي بصعوبة وأنا أقول:
ــ في حجرتها.. هناك..
نظر بتركيز في عيني المحمرتين من شدة البكاء وكأنه يتأكد من صدقي وأخيراً قال:
ــ أقصد الذهب.. هل هو كما تركته؟
تلعثمت قائلة:
ــ لا.. لا أعرف ربما باعته المرحومة في الفترة الأخيرة..
نهض بسرعة واتجه إلى حجرة المرحومة أمي دون أن ينطق بحرف.. عاد بعد برهة من الزمن مكفهر الوجه بادي الغضب وهو يهتف بقسوة:
ــ يالها من حمقاء.. يالها من حمقاء مجنونة..
وغادر المنزل في نفس اللحظة لنبقى أنا وأحمد نحدق ببعضنا بعيون دامعة ومظاهر الحزن والألم تحيط بنا جميع الاتجاهات.. ونحيب متواصل يصل إلى أسماعنا بصورة مقطعة يحمل بين طياته أنين العذاب ودهشة الفاجعة.. فقد كانت صفية الخادمة تبكي ريم..
ضقت ذرعاً بكل شيء، لكن عندما تذكرت أن الإجازة الصيفية قد قربت على الانتهاء وإننا قريباً سنعود للدراسة هدأت نفسي قليلاً، فربما وجدت عندها ما يشغلني عن نفسي وهمومي، لكن أبي هداه الله أبي أن تمر الإجازة الصيفية بسلام، ففوجئت به ذات يوم وأنا في المطبخ يدخل مصطحباً امرأة.. ذهلت حتى عجزت عن النطق.. همست صفية وكأنها تكلم نفسها:
ــ هل وصل به الأمر أن يحضر عشيقاته للمنزل في وضح النهار..
كتمت شهقة كادت تفلت مني.. فقد كانت المرأة جميلة بل باهرة الجمال وإن شاب جمالها شيء منفر لست أعرفه يطل من بين ملامحها الفاتنة.. كانت ممشوقة القد حادة النظرات يتراوح عمرها بين الثلاثين والخامسة والثلاثين.. رمقتني بنظرة لم استرح لها وهي تهتف:
ــ إذن فأنت منى.. لم أعرف أنك كبيرة لهذا الحد..
ثم التفتت إلى أبي ضاحكة وهي تقول بمرح مفتعل:
ــ بالتأكيد إنك رجل عجوز حتى تكون هذه هي ابنتك..
نظرت إلى وجه أبي بأسى ففوجئت بأساريره المنطلقة وابتسامته التي تشق وجهه وعينيه الضاحكتين وكأن الموت لم يخطف منه اثنتين من أعز الناس علينا وفي هذا البيت بالذات.. رباه إلى هذا الحد تهون سطوة الموت وجبروته لدى أبي أمام هذا الجمال الفاتن.. ألهذه الدرجة ينسى أمي وشقيقتي بلمح البصر وكأن ما حدث لم يحدث وما كان لم يكن.. ومن تكون هذه المرأة ولماذا تتحدث بهذه الطريقة وكأنها سيدة البيت..
لاحظ أبي ملامح التقززواضحة على وجهي فقال بمرح لم يزايله منذ دخلت معه هذه المرأة بيتنا:
ــ منى.. سلمي على زوجة أبيك الجديدة.. خالتك عواطف..
قاطعته بحدة:
ــ عواطف فقط..
أيدها بهزة من رأسه وهو يضحك:
ــ منى.. سلمي على عواطف..
مددت لها يداًباردة كالثلج تلقتها ببرودة أكثر ومضت تتجول في أنحاء البيت غير عابئة بالحزن الذييمزق أفئدتنا.. لم تعر أحمد انتباها وكأنه غير موجود على الإطلاق..
همست لأبيوأنا أكاد أبكي:
ــ أبي إنها فضيحة كيف تتزوج ولم يمض على وفاة أمي غير شهرينفقط لا غير.. وريم إن..
قاطعني بقسوة:
ــ اصمتي أنت لا تفهمين شيئاً ألايكفي إنني قد تحملت الكثير أثناء مرض أمك ولم أتكلم أو أشكو.. اصمتي و إلا ضربتك..
شهقت باكية وأنا ألوذ بسريري اهتف من أعماقي حبيبتي يا ماما أين أنت.. أين أنت؟
فوجئت بأحمد يندس بجواري وهو ينتحب بحرقة.. ضممته لصدري وأنا أواسيه بكلمات مشبعة بالدموع..
وبقيت أراقب بألم المظاهر الجديدة التي بدأت تتوالى على بيتنا الصغير الحزين.. رأيت تلك المرأة وهي تحتل حجرة أمي بعد أن ألقت بباقي أثاثها في الشارع.. وحضر الأثاث الجديد وحجرة النوم الجديدة ثم امتد التغير إلى الصالة الكبيرة التي أثثتها المرحومة أمي ركناً ركناً، فبدلت كل شيء وغيرت كل ما استطاعت تغيره، وأبي ينظر إليها فرحاً مبهوراً وكأنه يتفرج على تحفة جديدة لم يرى لها مثيلاً من قبل.. وبدأت تمارس سيطرتها علي وعلى أخي بعد أن تمكنت من أبي.. قالت لي ذات يوم:
ــ أنت أيتها الفتاة.. أنا لا يعجبني كسلك ودورانك في البيت هكذا بدون عمل..
قلت لها باستسلام:
ــ وماذا تريدين مني أن أعمل؟ فالمدرسة على الأبواب..
قالت وكأنها تحادث نفسها:
ــ مدرسة.. آه.. نعم..
ثم أردفت بحدة:
ــ ولكنني لن أتحملك هكذا حتى تفتح المدارس..
أجبتها بنفس الاستسلام:
ــ وماذا تريدين مني أن أفعل.. الخادمة تقوم بكل عمل البيت..
ردت علي بعنف:
ــ ولماذا تعتمدين على الخادمة.. إنك مازلت فتاة صغيرة وإذا اعتدت على الخادمة منذ الآن، فلن تنجحي في حياتك الزوجية مستقبلاً..
ثم التفتت تحادث أبي:
ــ أليس كذلك يا عبد الله؟
أجاب أبي يؤيدها:
ــ بلى.. أنت محقة في كلامك يا عواطف.. لقد أفسدتها أمها بالتدليل.. لن تنفع لبيت أو زواج إذا ظلت على حالتها هذه..
رمقت أبي بعتاب طويل.. أهذه هي النهاية يا أبي.. تهينني وتذلني أمام هذه الغريبة المسيطرة.. أنسيت كل شيء.. ألا يشفع لي أن أكون ابنتك قبل كل شيء؟؟
وقررت حينها أمراً لن أرضخ لهذه الحقارة والأنانية.. سأتحداهما.. وسأضع حدا لهذه الدخيلة وسأبين لها من أكون؟؟
سأنتصر لأمي الراحلة وبيتنا الذي كان يجمعنا ذات يوم.. لن أسمح لها بالسيطرة أكثر من ذلك ولو اشتعل البيت بالنيران.. وفي نفس الليلة طلبت مني أن أغسل لها مجموعة من الثياب.. لم أبك وأنا أتلقى أوامرها فقد قررت بيني وبين نفسي أمراً.. حاولت صفية انتزاع الثياب مني لتغسلها وتتوسل بشفقة:
ــ حرام أن تغسليها أنت يا منى.. حرام..
صددتها بلطف وأنا أتوجه نحو الغاسلة الكهربائية.. ألقيت الثياب بلا اهتمام وسكبت معها كمية لا بأس بها من مبيض الغسيل لتتحول ملابسها بعد لحظات إلى كومة باهتة من الملابس لا لون لها ولا قوام..
احتملت صراخها.. احتملت تعنيفها.. احتملت صفعتها المدوية على وجهي ولم أرد سوى بكلمة واحدة..
ــ أنا لم أغسل يوماً أي ثوب ولا أعرف كيف يتم ذلك..
شدتني بعنف نحو المطبخ وهي تهتف:
ــ ستتعلمين كل شيء وفوراً..
ثم أمرت صفية أن تعلمني كيفية غسيل الملابس وخرجت وهي تهدر غضباً..
جلست في المطبخ هادئة مرتاحة البال وكأنني لم أفعل شيئاً يذكر.. يكفي إنني أشعلتها وأفسدت يومها.. لا يهمني شيء بعد ذلك..
لكن سعادتي لم تدم طويلاً فبعد أن جعلتني الخادمة الخصوصية لغسل ملابسها.. تدرجت حتى جعلتني أقوم بجميع أعمالها الخاصة من غسيل ملابس إلى تنظيف حجرتها وترتيب شعرها وتدليك قدميها.. كنت أتألم داخلياً وإن لم يبدو ذلك واضحاً في ملامحي.. فلم أكن أرغب في أن يشعر أحمد بآلامي فيزيد عذابه ويزيد مقته لهذه المرأة القاسية.. فكرت مراراً في مخرج يبعد عني ما أقاسيه من إذلال وهوان..
بيد أن الأبواب موصدة ولكل منها قفل ضخم يحتاج فتحه إلى أطنان من التضحيات والدموع..
حتى بدأت أيام الدراسة ولأول مرة أذهب لمدرستي الثانوية فرحة مستبشرة وكأنني أخرج من سجني المؤبد إلى حيث أهلي وأحبائي وأصحابي..
بادرتني صديقتي إيمان بصرخة:
ــ منى.. غير معقول.. لقد تغيرت كثيراً وقل وزنك إلى النصف.. إنك تبدين كعود من الحطب..
ابتسمت بحرارة وأنا أقول:
ــ تعرفين ظروفي يا إيمان وفاة أمي ثم شقيقتي.. وخنقتني العبرة فلم أكمل جملتي..
ربتت إيمان على كتفي بحنان وهي تهمس:
ــ أنا آسفة.. لم أقصد أن أذكرك بشيء..
مسحت دموعي بظهر كفي وأنا أنهض لأستقبل حصتي الأولى في المدرسة وقد أحسست بانقباض غريب يشمل كياني بأسره وكأن الدنيا قد أغلقت أبوابها في وجهي فجأة.. استدعتني المعلمة أثناء فترة الفسحة في أحد الأيام وقالت لي بهدوء:
ــ منى أنت طالبة متفوقة وطوال فترة مكوثك بيننا وأنا أعدك من القليلات المتميزات.. ماذا حدث لك؟ شرود دائم في الحصص وعدم انتباه وتركيز بالإضافة إلى انعزالك بنفسك والابتعاد عن زميلاتك.. لقد تدهورت تدهوراً ملحوظاً ليس على المحور الدراسي فقط بل تعداه إلى المستوى الاجتماعي.. مكانك بين زميلاتك.. لقد أدركت هذا الأمر منذ أول يوم لحضورك للمدرسة.. نقصان وزنك اللافت للنظر.. وجهك الشاحب.. شعرك المتقصف وحتى حيويتك فقد ذهبت أدراج الرياح..
لا تخفي شيئا علي فقد أستطيع مساعدتك وانتشالك مما أنت فيه.. هل تعانين من مرض يا منى؟
قلت بصوت أقرب إلى الهمس ودموعي تحرق جفوني:
ــ كلا..
جاءني صوتها ممتلئا بالدهشة:
ــ هل يحاول أهلك إجبارك على الزواج؟
قلت وأنا أبكي:
ــ أمي ماتت..
لم أكمل جملتي.. أخذتني معلمتي بين ذراعها وهي تبكي بحرارة وكأن أمها هي التي ماتت وليست أمي أنا.. وبعد أن هدأت حدة البكاء قليلاً.. قالت معلمتي وهي لا تزال تمسح دموعها:
ـــ أنني أشعر بما تعانين يا منى لأنني قد عانيته في يوم ما.. يا لك من بائسة صغيرة وماذا يفعل أبوك المسكين الآن.. بالتأكيد هو مريض..
قلت ببطء:
ــ كلا.. فقد تزوج..
فغرت فاها دهشة وذهولا وسألتني بإلحاح:
ـ أتقولين تزوج.. إن العطلة الصيفية بأسرها لم تكن إلا ما يقارب الثلاثة أشهر.. معنى هذا أن أباك تزوج بعد وفاة أمك بفترة قصيرة..
نكست رأسها بأسى وهي تفكر ثم قالت بعد برهة:
ــ وزوجة أبيك الجديدة هل هي طيبة؟
أجبتها بحزن:
ــ كلا للأسف..
وحكيت لها عذابي مع زوجة أبي وعن وفاة شقيقتي الصغيرة إثر وفاة أمي وعن شقيقي أحمد وحزن تشفق الأضلاع عن حمله..
والمعلمة تسمع وتتعجب حتى ضاعت الحصة التالية للفسحة وأنا أتحدث وأبكي.. وأخيرا طلبت مني أن أبلغها بكل ما يجد من أموري ووعدتني بأن تساعدني بكل طريقة ممكنة وكأنها شقيقتي الكبرى..
أحسست بالأمان وقتها فمهما يكن يحدث من أمور فهناك من يهمه أمري ويسأل عني ويساعدني في الملمات..
نفخت نفسي كلمات معلمتي قوة وعظمى أجهلها تمكن في نفسي فعزمت على النجاح والتفوق كما كنت دائما عندما كانت أمي الحبيبة على وجه الوجود..
واصلت الليل والنهار وأنا أتشوق لنيل شهادتي الثانوية بتفوق يؤهلني لدخول كلية الطب التي أتمناها.. حاولت إزالة العراقيل التي تضعها زوجة أبي أمامي لتعطلني عن الدراسة.. حاولت الجمع بين عملي تحت خدمتها ودراستي.. أرهقني ذلك ولكنه وضعني على حافة سلم النجاح ونسيت قراري برفض الظلم وتحديه.. نسيت كل شيء عدا مستقبلي.. حتى أحسست بالتعب ذات يوم وانهار كل عضو من جسدي يطلب الراحة المحروم منها.. حدث ذلك اليوم في المدرسة كانت الفسحة المدرسية توشك على الانتهاء حين ألم بي دوار مفاجئ، فلم أستطع الثبات وسقطت على الأرض في انهيار تام.. حملتني زميلاتي إلى حجرة المشرفة الطلابية التي تعهدتني بالراحة والعناية حتى حضرت معلمتي الحبيبة التي أكاشفها بكل ما يحدث لي.. أصرت على أن أذهب للبيت وأرتاح.. لم يجد رفضي إلا إصراراً لديها على مغادرتي المدرسة.. وهمست لي قائلة:
ــ حتى تصدق زوجة أبيك عند خروجك من المدرسة إنك مريضة وبحاجة إلى الراحة.. علها تعفيك من بعض أعماالها..
ــ حتى تصدق زوجة أبيك عند خروجك من المدرسة إنك مريضة وبحاجة إلى الراحة.. علها تعفيك من بعض أعماالها
خرجت من المدرسة وعدت للمنزل وما أن فتحت الباب بمفتاحي الخاص ودخلت حتى أحسست بأجواء غير طبيعية في البيت.. كان مجرد إحساس، ولكنه تعاظم حين لم أجد الخادمة صفية في المطبخ كعادتها كل صباح.. بحثت عنها في أرجاء البيت ولم أجدها.. التزمت الهدوء كيلا أوقظ زوجة أبي التي اعتقدت أنها نائمة في هذا الوقت من الصباح.. لكن دهشتي الشديدة سمعتها تتحدث إلى رجل ما في حجرتها.. اختفيت بسرعة وأنا أراقب حجرتها من بعيد.. فوجئت بها وهي تخرج من الحجرة وبرفقتها رجل غريب لم أره يوماً.. رأيتهما يتهامسان.. اختفيت وقلبي يخفق بسرعة عجيبة وأوصالي ترتجف بعنف وتساؤلات حادة تخترق رأسي بنصلها السام..
ترى من يكون هذا الرجل؟ هل هو شقيقها أو أحد أقاربها الرجال؟ لكنه لا.. مستحيل.. إن شقيقها لا يزورها خفية في الصباح وبعيداً عن أعين الجميع حتى أبي.. وأين.. في حجرة نومها؟
كلا.. واستبعدت هذا الخاطر تماماً من ذهني..
هل يكون عشيقها.. يا إلهي.. أتكون زوجة أبي من هذا النوع الخائن من الزوجات.. أمعقول هذا الذي يحدث أم أني في كابوس فظيع..
ومرت عدة دقائق وأنا في ذهول حتى دخلت زوجة أبي الحجرة التي أجلس بها..
فوجئت حين رأتني وكأنها ترى وحشاً مرعباً.. تراجعت صارخة بذعر ثم تمالكت نفسها بعد برهة قائلة كأي سيدة شريفة:
ــ أهذه أنت أيتها التافهة الحقيرة.. ما الذي أتى بك إلى البيت في هذه الساعة؟
كدت أصرخ بوجهها قائلة: لقد عدت لأرى حقارتك وتفاهتك..
لكنني أمسكت بلساني وأنا أفكر.. يجب ألا أبدو خاضعة ذليلة لها بعد الآن فتستمرئ ذلك.. يجب أن أقف لها وجها لوجه وأفهمها بقوتي المفاجئة بأنني قد عرفت كل شيء وأستطيع أن أفعل أي شيء..
لم أنكس رأسي كعادتي وأتهته بالكلام.. بل رفعت رأسي علياً وأنا أواجهها بنظراتي وقلت لها بهدوء ينبض بالتحدي:
ــ عدت لأنني مريضة وقد صرفتني المدرسة باكراً لأرتاح..
كفأر وقع في مصيدة أخذت تنظر في كافة الاتجاهات وكأنها تبحث عن معين لها في هذه المحنة.. قالت بعد لحظات وهي تبتلع ريقها بصعوبة:
ــ منذ متى وأنت هنا؟
علت ابتسامة سخرية شفتي رغم كل شيء.. كدت أقول لها ساخرة: منذ وداع الحبيب.. ولكنني قلت وأنا انظر في عينيها بجسارة:
ــ منذ نصف ساعة تقريباً ولم أجد صفية في البيت..
ثم ركزت على كلماتي وأنا أقول:
ــ وكدت أحسبك نائمة..
اضطربت اضطراباً واضحاً وابتلعت ريقها مرتين وكأنها ستقول شيئاً، ولكنها صمتت في النهاية ثم قالت بارتباك ملحوظ:
ــ ارتاحي الآن وسأعود لك فيما بعد..
وما أن غادرتني حتى هنأت نفسي على ذكائي.. كان هذا هو الطريق الوحيد أمامي لإخضاعها وكسر شوكتها.. لم يكن هناك بد من أن اقف أمامها بهذه القوة..
لم اسمعها يوما تطلب مني أن ارتاح ولكن بعد أن شكت في كشفي لحقيقتها عاملتني بكل اللين والود..
غلبني النوم وأنا في دوامة من أفكاري لأفيق وصفية تضع أمامي صينية الطعام.. قلت لها بهدوء:
ــ صفية.. أين كنت في الصباح.. لقد بحثت عنك في كل مكان..
قالت لي بهمس:
ــ ليس هذا الصباح فقط يا منى.. بل كل صباح.. مدام عواطف تبعث بي إلى بيت والدتها لأنظف وأطهو لها الطعام ثم أعود سريعاً قبل أن تعودون جميعاً..
أطرقت برأسي مفكرة وقد أدركت الموضوع ككل.. إن هذه المرأة المخادعة ليست تلك العفيفة الشريفة كما يظنها أبي ونظنها نحن، بل هي امرأة حرباء خائنة.. تخدعنا جميعاً وأولنا أبي.. وتبادر إلى ذهني سؤال مر.. ولماذا لا أبلغ أبي بكل ما رأيته وهو يتصرف التصرف المناسب؟ لكن ترى هل سيصدقني؟ وإذا افترضنا أنه صدقني هل سيراقبها في صمت أم سيواجهها فوراً وأتحمل أنا كل شيء.. إذن هل أتقاضى وكأن شيء لم يكن.. لكن كيف.. كيف أستطيع الصمت وبركان هائل ينفجر داخل بيتنا وهذه المرأة تلقي بكرامتنا في الأوحال وتشوه سمعتنا.. انتهيت من تساؤلاتي الحادة إلى لا شيء، فأبي يحب هذه المرأة حباً شديداً ولا يرفض لها طلباً ولو شاءت أن يركع أمام قدميها فكيف يقتنع بروايتي بسهولة.. قررت أخيراً أن استشير معلمتي فاطمة في هذا الأمر، فهي أكبر مني وستخبرني بالحل الصحيح.
مضى اليوم وزوجة أبي في وجوم شديد تتحاشى النظر إلى وجهي وتحاول إشغال نفسها بأي شيء سوى الجلوس معي.. سألها أبي على مرأى مني:
ــ ما بك يا عواطف تبدين متعبة هذا اليوم.. هل أعرضك على طبيب؟
اغتصبت ابتسامة وهي تقول:
ــ كلا.. لا شيء.. ثم نظرت إلى وقد تبدلت نظرتها على نحو مفزع مخيف وهي تتابع:
ــ إن منى هي المريضة فقد أتت اليوم من المدرسة متعبة بعض الشيء..
لم يكلف أبي نفسه ويقترب مني ليسألني عن أحوالي، وكأن هذا العمل جريمة يخشى منها.. اكتفى بأن ألقى علىّ نظرة لا مبالية وهو يقول بفتور:
ــ إنه إرهاق من المذاكرة فقط لا غير..
ومضى غير عابئ بشيء..
حكيت لمعلمتي كل شيء حدث في منزلنا.. نظرت إلى بتركيز شديد ثم صرخت بي قائلة:
ــ لقد أخطأت يا منى.. لم يكن عليك أن تواجهيها بهذه الطريقة السافرة.. أنت مخطئة..
أجبتها ببراءة:
ــ على العكس يا أبله فاطمة لقد أخضعتها بهذه الطريقة وبعدها لن تجرؤ على إذلالي وتحطيمي ومعامتي كالخادمة..
قالت المعلمة وعلى وجهها إمارات الاستياء الشديد:
ــ كلا.. كلا.. يا منى أنت بتلك المواجهة أخفتيها حقاً لكن ليس لدرجة أن تتنازل لك عن كل شيء بسهولة فهي أقوى من هذا بكثير.. إني خائفة عليك يا حبيبتي.. لكن اطمئني لن تستطيع إيذائك.. والأفضل أن تخبري أباك بكل شيء..
قلت بلهفة:
ــ ولكن أخشى ألا يصدقني..
قالت بحسم:
ــ بل سيصدقك وحتى لو لم يصدقك فهو سيشك في الأمر ولا يوجد دخان بغير نار..
أجبتها باستسلام:
ــ سأبلغه ولكن ليس الآن.. سأقلب الأمر من جميع وجوهه أولاً..
قالت بإشفاق:
حسناً يا منى.. ولكن لا تتأخري كثيراً في إبلاغه..
كانت معلمتي على حق، وكنت قد تأخرت فعلاً في إبلاغ أبي.. رغم أن التأخير لم يدم سوى أربع وعشرين ساعة فقط لكن هذه المرأة الحرباء كانت تفكر بسرعة أكثر مني لتقضي عليّ وكانت الضربة في الصميم.. وتلقيت أكبر صدمة في حياتي وأقوى صفعة..
فقد عدت ذلك اليوم من المدرسة لأجد أبي أمامي منتفخ الأوداج.. متغير الوجه وقد انقلبت سحنته انقلاباً عظيماً.. نظرت إليه بخوف وقد سقط قلبي بين أقدامي فقد قدرت انه ربما يكون قد اكتشف خيانة زوجته له.. لكن الصفعة القوية على وجهي أيقظتني من كل أحلامي.. وفوجئت بأبي يهدر بغضب:
ــ تكلمي أيتها السافلة.. من هذا الشاب الذي تستقبلينه في البيت في غيابنا؟



فغرت فاهي دهشة وذهولاً.. أنا.. أنا.. لكنني لم أستطع النطق.. لم أستطع حتى الصراخ.. تابع أبي صراخه:
ــأيتها المجرمة القذرة.. مثل أمك.. لو لم أربيها لسلكت سلوكك المشين.. إنك تستحقينالقتل لندفن العار..
وانهال يضربني بكل ما أوتي من قوة.. ومن بين دموعي رأيتهاتلك الأفعى زوجة أبي تحاول أن تنقذني من بين يديه وهي تقول:
ــ طيش شباب يا عبدالله.. إنها ما زالت فتاة مراهقة والعيب ليس عليها بل عليك أنت..
هتف عالياً:
ــ وماذا أفعل؟ أسجنها في البيت.. أفصلها من المدرسة.. كل بنات العائلاتالمحترمة يدرسن ولا يقترفن هذه الآثام.. إنها مجرمة.. مجرمة وتستحق القتل مثلأمها..


وانسابت دموعي بغزارة لتغرق وجهي وتبلل ثيابي.. وما ذنب المرحومة أمي في هذه المؤامرة الدنيئة التي مثلتنها هذه المرأة.. ما ذنب أمي المتوفاة لتنال كل هذا السيل من الشتائم والتجريح..
لم أستطع الدفاع عن نفسي وهذا الاتهام البشع يلتصق بي كثمرة محرمة.. لم أستطع أن أعبر عن جراحي ولو بصرخة ألم تذيب قلب هذا الأب المقدود من حجر..
وأخيراً تركني أبي بعد أن حال جسدي إلى خرقة بالية لا تستطيع التحرك إلا بصعوبة..
ساعدتني صفية على الانتقال إلى سريري وأبي يغلي كمرجل من غضب وهو يهتف بين الفينة والأخرى:
ــ سأؤدبها.. سأربيها..
وتلك الفاجرة ترد عليه بكلام لم أستطع أن أتنبه لشدة تعبي ووهني..
حطمتني الفاجعة وضيعت ما بيني وبين أبي إلى الأبد.. لقد قطعت عليّ هذه الأفعى الطريق، فلن يكون بيني وبين أبي حديث بعد اليوم.. وأي حديث وقد تقطعت الأواصر ووهنت العلاقات.. حتى أحمد كرهه أبي لكرهي وأصبح ينأى أن يحدثه أو حتى يسأله عن أحواله..
لقد حولت تلك الأفعى كل شيء لمصلحتها وأرادت أن تحطمني قبل أن أحطمها وما زلت حتى اليوم أذكر ابتسامتها الساخرة وهي تطل عليّ وتسألني إن كنت أريد شيئاً وكنت أدير وجهي جهة الحائط وأبكي بحرارة..
لماذا تنهال هذه المآسي على رأسي بغزارة حتى نسيت طعم السعادة.. وقد خلت حياتي منها.. ومن منت أنتظر منه الأمان تخلى عني بقسوة ولم يسمع دفاعي عن نفسي أو حتى يسمح لي بكلمة حق أو اعتراف بالذنب.. حتى معلمتي الحبيبة فاطمة حينما فوجئت بانقطاعي عن المدرسة حاولت أن تحادثني أو تزورني.. لكن أبي رفض رفضاً قاطعاً أن أكلم أو أستقبل أحداً حتى يبت هو في أمري..
وبت في أمري للأسف الشديد.. فقد فوجئت بعد أسبوع من الواقعة وحين استرددت بعض قواي، بأبي يلقي علي ثوباً طالباً مني أن أرتديه.. وبعد لحظات دخل على الحجرة شيخ طاعن في السن.. فوجئت.. التصقت بالجدار من هول الصدمة.. هل هذا أنس أم جن.. هل هو شيخ حقيقي من لحم ودم أم هو.. ماذا؟ أيكون أبي قد جن حتى يسمح لرجل كان من كان باقتحام حجرتي.. هتفت بصوت مبحوح من كثرة البكاء والصراخ:
ــ من أنت.. أخرج هيا بسرعة..
جاءني صوت أبي داخلاً إلى الحجرة وهو يبتسم لأول مرة منذ أسبوع:
ــ هذا زوجك يا منى.. العم صالح.. هيا حضري نفسك لتذهبي معه.. بسرعة..
وخرج أبي ومعه هذا الشيخ الطاعن في السن، لأتهاوى تحت أحد الجدران باكية بعنف.. سامحك الله يا أبي.. ماذا فعلت لتدفنني وأنا عز الشباب.. ومع من مع الشيخ يكبر أبي بعشرين سنة على الأقل.. إن الموت أحب إلى من هذا..
لم ينفعني بكائي وهذه المرأة تدخل عليّ تسحبني من يدي لترتيب شعري وتزيين وجهي وهي تأمر صفية بتجميع كل ملابسي.. وأنا أبكي وأحمد يبكي وهو متعلق بي يصيح:
ــ منى.. لا تتركيني.. منى أرجوك لا تتركيني..
صرخت به زوجة أبي:
ــ اسكت أيها الولد الشقي.. أختك ستتزوج وستذهب مع زوجها.. هيا ويكفي هذا التدلل..
تركتها ترتب شعري.. جفت دموعي فجأة وداخلي يغلي كالبركان وقلت لأحمد بصوت هادئ وكأنه ليس صوتي:
ــ اطمئن يا أحمد.. سأعود..
والتقت نظراتنا في المرآة.. نظراتي المهددة والمتوعدة بنظراتها المطمئنة وإن كانت تحمل بعض الخوف..
وما أن ضمنا البيت الكبير الموحش أنا وزوجي حتى صرخة به قائلة:
ــ ابتعد.. ابتعد عني.. إذا اقتربت فسأصرخ عالياً حتى يجتمع الناس عليك..
قال بحنان افتقدته منذ زمن طويل:
ــ اطمئني يا منى.. أنت في بيتك ولا تخافي مني.. سأتركك بمفردك حتى تهدئي..
جلست أحدق ذاهلة في كل ما حولي.. كان كل شيء يدل على الثراء الفاحش الأسطوري.. فلم يسبق لي أن رأيت مثل هذه الجدران اللامعة والثريات الكبيرة العملاقة وهذه التحف والرياش.. لم يسبق لي أن رأيت أي شيء من هذا في حياتي سوى في الأفلام التليفزيونية.. وأدركت أن أبي قد باعني لهذا الرجل.. باعني ليضرب عصفورين بحجر واحد.. يتخلص من عاري كما يعتقد ويكسب الأموال الطائلة.
أخذت أفكر بسرعة وذكائي يرسم لي الطريق.. لن أستفيد شيئاً من عراكي مع هذا العجوز الذي اشتراني.. لن أستفيد شيئاً من جفائي وعنادي وبكائي بل على العكس من ذلك ربما أخسر من حيث أعتقد أنني أكسب فربما طلقني وأعادني إلى بيت والدي.. إلى تلك الأفعى البغيضة التي لا تتورع على فعل أي شيء لتبعدني عن طريقها.. هذه المرة كان الإبعاد بالفضيحة والزواج من هذا العجوز فما يدريني ما يتفق عنه ذهنها في المرة القادمة.. ربما قتلتني أو زجت بي في السجن أو أعظم من ذلك فهي لا تخاف الله ومن لا يخاف الله يجب أن نخاف منه.. هكذا علمتني أمي.. وعلى هذه الحكمة عشت حياتي وعندما تخليت عنها برهة حدث لي ما حدث..
لا أنكر أن الطلاق من هذا العجوز هو هدفي، لكن ليس الآن وفي بيتنا يحدث ما يحدث.. يجب أن أروض نفسي على الصبر والتحمل حتى أجد لي مخرجاً.. كما أنني قد عرفت هذا الرجل العجوز وأدركت للوهلة الأولى حنانه الواضح.. ربما كان هذا الحنان لهدف تهدئتي.. لكنني سأستغل كل شيء لصالحي، فإنني وبهذه الظروف لن أجد من يشفق عليّ غيره فبيده مصيري ومصير حياتي المقبلة.. سأحاول أن اكسبه لصفي بقدر ما أستطيع..
بدلت ثيابي وأخذت أتجول في الفيلا الكبيرة الرائعة.. كان الدور الثاني يتكون من خمس حجرات للنوم عدا حجرة نومي الكبيرة.. وفي الدور الأول سبع حجرات منها حجرة واحدة مغلقة لم أستطع فتحها.. وفي تجوالي بالبيت لفتت نظري خادمة سوداء تراقبني بعينيها اللامعتين.. وحين رأتني أنظر إليها افتر ثغرها عن ابتسامة أظهرت أسنانها البيضاء.. كانت ترتدي ملابس رثة لا تتناسب وفخامة هذا البيت..
سألتها عما إذا كانت تعرف العربية فأومأت بالإيجاب.. كدت اسألها عن الرجل العجوز أين هو لكن اكتشفت يا للسخرية أنني لا أعرف حتى اسمه الأول.. قلت لها بهدوء:
ــ أين السيد.. هل خرج؟
قالت ببساطة:
ــ لا أدري..
كدت ألقي عليها أسئلة أخرى عن هذا الرجل وهل له زوجة وأولاد، لكنني أيقنت بأنها لن ترد على أي من أسئلتي..
جلست في الصالة الكبرى التي تعلوها ثريا ضخمة تتلألأ فيها عشرات الأضواء، حتى حضر زوجي الشيخ الذي تطلق عليه الخادمة اسم "عمي صالح"..
لأول مرة منذ غادرت معه منزل أبي أراه بوضوح.. قصير القامة محني الظهر تملأ وجهه لحية كبيرة بيضاء يناهز السبعين من العمر.. تبدو عليه سيماء رجل الأعمال..


بادرني قائلاً وضحكة كبيرة تملأ وجهه:
ــ