
مشاركة رقم :
5
في 18-Jan-2008 الساعة :
11:27 AM
|
مياسي نشيط | | | | | | | | | | | مزاجي: | | المستوى : | | | | كاتب الموضوع :
عبق الزهور المنتدى : فضاء الأدب القصصي"> فضاء الأدب القصصي رد: بكاء تحت المطر وفي نفس الليلة ..قرب مطلع الفجر بقليل أيقظتني حركــــة بالقرب مني ..صحوت جازعة أتلفت حولي..
نظـــــرت صــــوب فراش ريم ..كأنها لم تكن في فراشها ..أحسست بـمـــــا يشــــــبه الدوار ونبضاتي تتسارع بجنون ..أين هي ..ولماذا نهضت من فراشها في هذا الوقت ..وماذا تفعل ؟
أخذت ابحث عنها في أرجاء البيت وقلبي لا يزال يخفق بقوة .. وأخيراً وجدتها في الشرفة ..كانت رائعة الجمال كملاك نوراني شفاف .. بكامل صحتها وحيويتها وبهائــــــها وقــــــد أضفــــى عليها القمر المكتمل هالة من نور يصعب وصفــــــها .. تمامــــاً بــــدت كعروس تزف إلى السماء ..
شعرت بغصة هائلة في حلقي وأنا اسألها :
ـــ ريم .. لماذا نهضت من فراشك .. هل تردين ماء ؟
ابتسمت برقة وكشفت الابتسامة عـــــن أســـــنانها الصغيرة كحبات من اللؤلؤ المنضود ..قالت بهدوء وبراءة:
ـــ إنني أتطلع إلى السماء ..
وقبل أن انطق .. تابعت بصوت عذب ..عذب لدرجة هائلة تبعث على الخوف والرهبة ..
ـــ إنني أرى ماما يا منى .. إنني أراها تناديني في السماء ..
لم استطع السيطرة على نفسي فقاطعتها وقلبي ينقبض بشدة :
ـــ ريم .. كفى عن هذا الهراء وهيا إلى النوم .. تلفحـــــي جيــــداً بدثارك وأبكي إن شئت.. بل أبكي حتى لو تشائي فإن في البكاء عزاء.. وفي العزاء راحة للنفس المكلومة..
ثم اقتربت أهزها بشدة:
ــ أبكي يا ريم.. انتحبي يا حبيبتي.. انتزعي دموعك اللؤلؤية من أعماق نفسك وابك أمك الغالية يا ريم.. إن أمك ماتت ويجب أن تبكيها وتنتحبي حتى تنضب دموعك.. ابكي يا ريم.. ابكي..
نظرت إلي برثاء وهي تسير إلى فراشها بالية غريبة.. وكأنها قد صدمت بغبائي وفي الغد أبلغني أبي أنه سيغيب طوال اليوم وأنه سيعود في وقت متأخر من المساء.. لم أجد غير خادمتنا صفية أبثها حزني وخوفي.. كانت تشاركني قلقي على ريم وترى أنه من الضروري تنويمها في أحد المستشفيات حتى تعود طبيعية كما كانت لا كما تبدو الآن.. مظهرها يخدع وباطنها مترع بالمرارة والأحزان..
راقبت "ريم" من طرف خفي وأنا أوطن نفسي استقبال كل جديد يفد به القدر حتى لو كان مراً مرارة العلقم..
وفي ذات الليلة التي عاد فيها أبي حوالي منتصف الليل تناهى إلى سمعي صوت شخير مزعج.. لم أكن قد نمت بعد فاخترق هذا الشخير أذني اختراقاً.. إنه لم يحدث قط في بيتنا.. اتجهت عيناي بلا وعي مني نحو شقيقتي الصغيرة وفطنت لجزعي بأن الشخير يصدر منها هي بالذات.. اقتربت منها لأتبين صوت حشرجة مكتومة وخيط دقيق من الدم ينساب من أنفها وفمها.. ناديتها بصوت خافت.. ليعلو صوتي بعد لحظات بصرخات زلزلت أركان البيت..
ــ ريم.. ريم.. يا ملاكي الصغيرة..
اقترب أبي منها.. كانت هادئة مبتسمة وكأنها تحلم أحلاماً سعيدة.. نظر أبي نحوي بقلق وكأن يتساءل عن معنى هذه الصرخات المتتابعة دون داع..
كنت أنتحب بحرقة في ركن من أركان الحجرة.. قلت بصوت متداع:
ــ أنها لا تجيب على النداء..
هزها أبي برفق.. ثم هزها بقوة ووجهه يتقلص بشدة ثم حملها بسرعة ومضى خارجاً دون أن يلتفت وراءه.. سقطت بين ذراعي الخادمة صفية وأنا أبكي وانتحب.. وشقيقي أحمد يقضم أظافره بعصبية وهو يدور في أنحاء الغرفة بغير هدف ولا اتجاه.. وفي الفجر عاد أبي إلى البيت.. عاد محطماً متداعياً وكأنه كبر في السن فجأة.. لقد ابيض شعره وغارت عيناه ورسمت المأساة خطوطها في وجهه على شكل تجاعيد عميقة كأخاديد حفرها الزمان على مرتفعات من الجبال..
لم أجرؤ على طرح سؤالي اليتيم الذي يضج به عقلي وأنا أرى دموع أبي تسيل على خديه بغزارة.. وأصوات عذبة كترنمية الملائكة تهتف في جذل.. لقد زفت العروس.. لقد زفت العروس.. إلى الخلد إن شاء الله..
كانت إجابة السؤال واضحة على وجه أبي المتقلص، فأسرعت منكفئة على وجهي إلى حجرتي أحدق بنظرات زائغة إلى كل شيء حولي وصدري يضيق وأنفاسي تتسارع والدنيا تضيق وتضيق حتى غدت كخرم إبرة.. ولم أشعر بشيء حولي..
أفقت لنفسي وأنا على السرير الأبيض وفي كل ذراع إبرة تتصل بأنبوب مغذي.. تمنيت لو لم أفق.. تمنيت لو طواني العالم الآخر بجناحيه المرعبين وانضممت إلى أمي الحبيبة وشقيقتي.. ماذا أفعل في هذا العالم الكبير وحدي.. كيف أحيا وأعيش وقد خلت دنياي من هذين الوجهين الحبيبين.. هل يمكن أن يكون لحياتي معنى بدونهما.. وأي معنى؟ وأي حياة؟ وهتفت من أعماقي.. رباه إرحمني.. أرحني من هذا العذاب.. أغمضت عيناي على حجارة بهيئة دموع.. حجارة تدميني وتنزل على خدي الشاحبين.. وأفقت على صوت أبي.. كان يناديني.. فتحت عيني بصعوبة.. وليتني ما رأيته.. كان هيكل رجل يمشي على قدمين.. شاحب الوجه.. دامع العينين.. في داخله تدور رحى معركة رهيبة تبدو آثارها على وجهه.. قال بحنان غريب لم أعهد منه:
ــ منى.. ألم تفيق بعد؟
ثم أردف بعد هنيهة:
ــ ريم ذهبت يا منى.. ذهبت ولن تعود..
تغضت ذقنه وشفته السفلى ثم شرع في البكاء.. بكاء صامت حار موجع.. لأول مرة في حياتي أرى أبي يبكي بحرارة وصدق.. ألهذه الدرجة كان يحب ريم.. وأمي ألم تكن لها مكانة في نفسه.. ألم تستحق ولو دمعة واحدة من الدموع التي سفحها حزناً على ريم.. ريم حبيبتي.. عروس السماء.. الوردة اليانعة التي تتضوع عطرا وأريجا.. أذهبت حقا ولن تعود؟ وأحمد.. فجأة تذكرت أحمد الطفل الصغير المسكين الذي تلقى لطمتين متتاليتين وهو لا يزال طفلاً غضاً.. كيف سيحتمل كل هذا دون أن يكون هناك أحد بجواره.. يجب أن استعيد توازني بسرعة وأحافظ على كل لياقتي من أجله هو.. من أجل أحمد..
ربت على يدي أبي المتغضنتين وقلت له بصوت بدا وكأنه ليس صوتي:
ــ أبي.. لا يزال هناك أحمد وهو في حاجة لك..
لم أنقطع عن البكاء وأنا ألملم حاجيات ريم.. أثوابها وألعابها وشرائطها الذهبية الصغيرة.. جمعتها كلها في حقيبة كبيرة لأودعها دورا للأيتام وقد كان هذا مثار جدل طويل بيني وبين أبي.. فقد كان أبي يفضل الاحتفاظ بملابسها وأشيائها مدى العمر وعارضته فقد كنت أفضل أن تستفيد منها فتيات الملجأ الصغيرات وأقنعته إن في هذا العمل الخير كل الخير لريم في قبرها وإن الاحتفاظ بملابسها لن يغير من الواقع المر شيئاً..
كان أبي جالساً على المقعد ساهماً يفكر ثم فجأة سألني أين حاجيات أمك يا منى؟
باغتني السؤال رغم أنني قد توقعته يوماً.. حاولت السيطرة على نفسي بصعوبة وأنا أقول:
ــ في حجرتها.. هناك..
نظر بتركيز في عيني المحمرتين من شدة البكاء وكأنه يتأكد من صدقي وأخيراً قال:
ــ أقصد الذهب.. هل هو كما تركته؟
تلعثمت قائلة:
ــ لا.. لا أعرف ربما باعته المرحومة في الفترة الأخيرة..
نهض بسرعة واتجه إلى حجرة المرحومة أمي دون أن ينطق بحرف.. عاد بعد برهة من الزمن مكفهر الوجه بادي الغضب وهو يهتف بقسوة:
ــ يالها من حمقاء.. يالها من حمقاء مجنونة..
وغادر المنزل في نفس اللحظة لنبقى أنا وأحمد نحدق ببعضنا بعيون دامعة ومظاهر الحزن والألم تحيط بنا جميع الاتجاهات.. ونحيب متواصل يصل إلى أسماعنا بصورة مقطعة يحمل بين طياته أنين العذاب ودهشة الفاجعة.. فقد كانت صفية الخادمة تبكي ريم..
ضقت ذرعاً بكل شيء، لكن عندما تذكرت أن الإجازة الصيفية قد قربت على الانتهاء وإننا قريباً سنعود للدراسة هدأت نفسي قليلاً، فربما وجدت عندها ما يشغلني عن نفسي وهمومي، لكن أبي هداه الله أبي أن تمر الإجازة الصيفية بسلام، ففوجئت به ذات يوم وأنا في المطبخ يدخل مصطحباً امرأة.. ذهلت حتى عجزت عن النطق.. همست صفية وكأنها تكلم نفسها:
ــ هل وصل به الأمر أن يحضر عشيقاته للمنزل في وضح النهار..
كتمت شهقة كادت تفلت مني.. فقد كانت المرأة جميلة بل باهرة الجمال وإن شاب جمالها شيء منفر لست أعرفه يطل من بين ملامحها الفاتنة.. كانت ممشوقة القد حادة النظرات يتراوح عمرها بين الثلاثين والخامسة والثلاثين.. رمقتني بنظرة لم استرح لها وهي تهتف:
ــ إذن فأنت منى.. لم أعرف أنك كبيرة لهذا الحد..
ثم التفتت إلى أبي ضاحكة وهي تقول بمرح مفتعل:
ــ بالتأكيد إنك رجل عجوز حتى تكون هذه هي ابنتك..
نظرت إلى وجه أبي بأسى ففوجئت بأساريره المنطلقة وابتسامته التي تشق وجهه وعينيه الضاحكتين وكأن الموت لم يخطف منه اثنتين من أعز الناس علينا وفي هذا البيت بالذات.. رباه إلى هذا الحد تهون سطوة الموت وجبروته لدى أبي أمام هذا الجمال الفاتن.. ألهذه الدرجة ينسى أمي وشقيقتي بلمح البصر وكأن ما حدث لم يحدث وما كان لم يكن.. ومن تكون هذه المرأة ولماذا تتحدث بهذه الطريقة وكأنها سيدة البيت..
لاحظ أبي ملامح التقززواضحة على وجهي فقال بمرح لم يزايله منذ دخلت معه هذه المرأة بيتنا:
ــ منى.. سلمي على زوجة أبيك الجديدة.. خالتك عواطف..
قاطعته بحدة:
ــ عواطف فقط..
أيدها بهزة من رأسه وهو يضحك:
ــ منى.. سلمي على عواطف..
مددت لها يداًباردة كالثلج تلقتها ببرودة أكثر ومضت تتجول في أنحاء البيت غير عابئة بالحزن الذييمزق أفئدتنا.. لم تعر أحمد انتباها وكأنه غير موجود على الإطلاق..
همست لأبيوأنا أكاد أبكي:
ــ أبي إنها فضيحة كيف تتزوج ولم يمض على وفاة أمي غير شهرينفقط لا غير.. وريم إن..
قاطعني بقسوة:
ــ اصمتي أنت لا تفهمين شيئاً ألايكفي إنني قد تحملت الكثير أثناء مرض أمك ولم أتكلم أو أشكو.. اصمتي و إلا ضربتك..
شهقت باكية وأنا ألوذ بسريري اهتف من أعماقي حبيبتي يا ماما أين أنت.. أين أنت؟
فوجئت بأحمد يندس بجواري وهو ينتحب بحرقة.. ضممته لصدري وأنا أواسيه بكلمات مشبعة بالدموع..
وبقيت أراقب بألم المظاهر الجديدة التي بدأت تتوالى على بيتنا الصغير الحزين.. رأيت تلك المرأة وهي تحتل حجرة أمي بعد أن ألقت بباقي أثاثها في الشارع.. وحضر الأثاث الجديد وحجرة النوم الجديدة ثم امتد التغير إلى الصالة الكبيرة التي أثثتها المرحومة أمي ركناً ركناً، فبدلت كل شيء وغيرت كل ما استطاعت تغيره، وأبي ينظر إليها فرحاً مبهوراً وكأنه يتفرج على تحفة جديدة لم يرى لها مثيلاً من قبل.. وبدأت تمارس سيطرتها علي وعلى أخي بعد أن تمكنت من أبي.. قالت لي ذات يوم:
ــ أنت أيتها الفتاة.. أنا لا يعجبني كسلك ودورانك في البيت هكذا بدون عمل..
قلت لها باستسلام:
ــ وماذا تريدين مني أن أعمل؟ فالمدرسة على الأبواب..
قالت وكأنها تحادث نفسها:
ــ مدرسة.. آه.. نعم..
ثم أردفت بحدة:
ــ ولكنني لن أتحملك هكذا حتى تفتح المدارس..
أجبتها بنفس الاستسلام:
ــ وماذا تريدين مني أن أفعل.. الخادمة تقوم بكل عمل البيت..
ردت علي بعنف:
ــ ولماذا تعتمدين على الخادمة.. إنك مازلت فتاة صغيرة وإذا اعتدت على الخادمة منذ الآن، فلن تنجحي في حياتك الزوجية مستقبلاً..
ثم التفتت تحادث أبي:
ــ أليس كذلك يا عبد الله؟
أجاب أبي يؤيدها:
ــ بلى.. أنت محقة في كلامك يا عواطف.. لقد أفسدتها أمها بالتدليل.. لن تنفع لبيت أو زواج إذا ظلت على حالتها هذه..
رمقت أبي بعتاب طويل.. أهذه هي النهاية يا أبي.. تهينني وتذلني أمام هذه الغريبة المسيطرة.. أنسيت كل شيء.. ألا يشفع لي أن أكون ابنتك قبل كل شيء؟؟
وقررت حينها أمراً لن أرضخ لهذه الحقارة والأنانية.. سأتحداهما.. وسأضع حدا لهذه الدخيلة وسأبين لها من أكون؟؟
سأنتصر لأمي الراحلة وبيتنا الذي كان يجمعنا ذات يوم.. لن أسمح لها بالسيطرة أكثر من ذلك ولو اشتعل البيت بالنيران.. وفي نفس الليلة طلبت مني أن أغسل لها مجموعة من الثياب.. لم أبك وأنا أتلقى أوامرها فقد قررت بيني وبين نفسي أمراً.. حاولت صفية انتزاع الثياب مني لتغسلها وتتوسل بشفقة:
ــ حرام أن تغسليها أنت يا منى.. حرام..
صددتها بلطف وأنا أتوجه نحو الغاسلة الكهربائية.. ألقيت الثياب بلا اهتمام وسكبت معها كمية لا بأس بها من مبيض الغسيل لتتحول ملابسها بعد لحظات إلى كومة باهتة من الملابس لا لون لها ولا قوام..
احتملت صراخها.. احتملت تعنيفها.. احتملت صفعتها المدوية على وجهي ولم أرد سوى بكلمة واحدة..
ــ أنا لم أغسل يوماً أي ثوب ولا أعرف كيف يتم ذلك..
شدتني بعنف نحو المطبخ وهي تهتف:
ــ ستتعلمين كل شيء وفوراً..
ثم أمرت صفية أن تعلمني كيفية غسيل الملابس وخرجت وهي تهدر غضباً..
جلست في المطبخ هادئة مرتاحة البال وكأنني لم أفعل شيئاً يذكر.. يكفي إنني أشعلتها وأفسدت يومها.. لا يهمني شيء بعد ذلك..
لكن سعادتي لم تدم طويلاً فبعد أن جعلتني الخادمة الخصوصية لغسل ملابسها.. تدرجت حتى جعلتني أقوم بجميع أعمالها الخاصة من غسيل ملابس إلى تنظيف حجرتها وترتيب شعرها وتدليك قدميها.. كنت أتألم داخلياً وإن لم يبدو ذلك واضحاً في ملامحي.. فلم أكن أرغب في أن يشعر أحمد بآلامي فيزيد عذابه ويزيد مقته لهذه المرأة القاسية.. فكرت مراراً في مخرج يبعد عني ما أقاسيه من إذلال وهوان..
بيد أن الأبواب موصدة ولكل منها قفل ضخم يحتاج فتحه إلى أطنان من التضحيات والدموع..
حتى بدأت أيام الدراسة ولأول مرة أذهب لمدرستي الثانوية فرحة مستبشرة وكأنني أخرج من سجني المؤبد إلى حيث أهلي وأحبائي وأصحابي..
بادرتني صديقتي إيمان بصرخة:
ــ منى.. غير معقول.. لقد تغيرت كثيراً وقل وزنك إلى النصف.. إنك تبدين كعود من الحطب..
ابتسمت بحرارة وأنا أقول:
ــ تعرفين ظروفي يا إيمان وفاة أمي ثم شقيقتي.. وخنقتني العبرة فلم أكمل جملتي..
ربتت إيمان على كتفي بحنان وهي تهمس:
ــ أنا آسفة.. لم أقصد أن أذكرك بشيء..
مسحت دموعي بظهر كفي وأنا أنهض لأستقبل حصتي الأولى في المدرسة وقد أحسست بانقباض غريب يشمل كياني بأسره وكأن الدنيا قد أغلقت أبوابها في وجهي فجأة.. استدعتني المعلمة أثناء فترة الفسحة في أحد الأيام وقالت لي بهدوء:
ــ منى أنت طالبة متفوقة وطوال فترة مكوثك بيننا وأنا أعدك من القليلات المتميزات.. ماذا حدث لك؟ شرود دائم في الحصص وعدم انتباه وتركيز بالإضافة إلى انعزالك بنفسك والابتعاد عن زميلاتك.. لقد تدهورت تدهوراً ملحوظاً ليس على المحور الدراسي فقط بل تعداه إلى المستوى الاجتماعي.. مكانك بين زميلاتك.. لقد أدركت هذا الأمر منذ أول يوم لحضورك للمدرسة.. نقصان وزنك اللافت للنظر.. وجهك الشاحب.. شعرك المتقصف وحتى حيويتك فقد ذهبت أدراج الرياح..
لا تخفي شيئا علي فقد أستطيع مساعدتك وانتشالك مما أنت فيه.. هل تعانين من مرض يا منى؟
قلت بصوت أقرب إلى الهمس ودموعي تحرق جفوني:
ــ كلا..
جاءني صوتها ممتلئا بالدهشة:
ــ هل يحاول أهلك إجبارك على الزواج؟
قلت وأنا أبكي:
ــ أمي ماتت..
لم أكمل جملتي.. أخذتني معلمتي بين ذراعها وهي تبكي بحرارة وكأن أمها هي التي ماتت وليست أمي أنا.. وبعد أن هدأت حدة البكاء قليلاً.. قالت معلمتي وهي لا تزال تمسح دموعها:
ـــ أنني أشعر بما تعانين يا منى لأنني قد عانيته في يوم ما.. يا لك من بائسة صغيرة وماذا يفعل أبوك المسكين الآن.. بالتأكيد هو مريض..
قلت ببطء:
ــ كلا.. فقد تزوج..
فغرت فاها دهشة وذهولا وسألتني بإلحاح:
ـ أتقولين تزوج.. إن العطلة الصيفية بأسرها لم تكن إلا ما يقارب الثلاثة أشهر.. معنى هذا أن أباك تزوج بعد وفاة أمك بفترة قصيرة..
نكست رأسها بأسى وهي تفكر ثم قالت بعد برهة:
ــ وزوجة أبيك الجديدة هل هي طيبة؟
أجبتها بحزن:
ــ كلا للأسف..
وحكيت لها عذابي مع زوجة أبي وعن وفاة شقيقتي الصغيرة إثر وفاة أمي وعن شقيقي أحمد وحزن تشفق الأضلاع عن حمله..
والمعلمة تسمع وتتعجب حتى ضاعت الحصة التالية للفسحة وأنا أتحدث وأبكي.. وأخيرا طلبت مني أن أبلغها بكل ما يجد من أموري ووعدتني بأن تساعدني بكل طريقة ممكنة وكأنها شقيقتي الكبرى..
أحسست بالأمان وقتها فمهما يكن يحدث من أمور فهناك من يهمه أمري ويسأل عني ويساعدني في الملمات..
نفخت نفسي كلمات معلمتي قوة وعظمى أجهلها تمكن في نفسي فعزمت على النجاح والتفوق كما كنت دائما عندما كانت أمي الحبيبة على وجه الوجود..
واصلت الليل والنهار وأنا أتشوق لنيل شهادتي الثانوية بتفوق يؤهلني لدخول كلية الطب التي أتمناها.. حاولت إزالة العراقيل التي تضعها زوجة أبي أمامي لتعطلني عن الدراسة.. حاولت الجمع بين عملي تحت خدمتها ودراستي.. أرهقني ذلك ولكنه وضعني على حافة سلم النجاح ونسيت قراري برفض الظلم وتحديه.. نسيت كل شيء عدا مستقبلي.. حتى أحسست بالتعب ذات يوم وانهار كل عضو من جسدي يطلب الراحة المحروم منها.. حدث ذلك اليوم في المدرسة كانت الفسحة المدرسية توشك على الانتهاء حين ألم بي دوار مفاجئ، فلم أستطع الثبات وسقطت على الأرض في انهيار تام.. حملتني زميلاتي إلى حجرة المشرفة الطلابية التي تعهدتني بالراحة والعناية حتى حضرت معلمتي الحبيبة التي أكاشفها بكل ما يحدث لي.. أصرت على أن أذهب للبيت وأرتاح.. لم يجد رفضي إلا إصراراً لديها على مغادرتي المدرسة.. وهمست لي قائلة:
ــ حتى تصدق زوجة أبيك عند خروجك من المدرسة إنك مريضة وبحاجة إلى الراحة.. علها تعفيك من بعض أعماالها..
ــ حتى تصدق زوجة أبيك عند خروجك من المدرسة إنك مريضة وبحاجة إلى الراحة.. علها تعفيك من بعض أعماالها
خرجت من المدرسة وعدت للمنزل وما أن فتحت الباب بمفتاحي الخاص ودخلت حتى أحسست بأجواء غير طبيعية في البيت.. كان مجرد إحساس، ولكنه تعاظم حين لم أجد الخادمة صفية في المطبخ كعادتها كل صباح.. بحثت عنها في أرجاء البيت ولم أجدها.. التزمت الهدوء كيلا أوقظ زوجة أبي التي اعتقدت أنها نائمة في هذا الوقت من الصباح.. لكن دهشتي الشديدة سمعتها تتحدث إلى رجل ما في حجرتها.. اختفيت بسرعة وأنا أراقب حجرتها من بعيد.. فوجئت بها وهي تخرج من الحجرة وبرفقتها رجل غريب لم أره يوماً.. رأيتهما يتهامسان.. اختفيت وقلبي يخفق بسرعة عجيبة وأوصالي ترتجف بعنف وتساؤلات حادة تخترق رأسي بنصلها السام..
ترى من يكون هذا الرجل؟ هل هو شقيقها أو أحد أقاربها الرجال؟ لكنه لا.. مستحيل.. إن شقيقها لا يزورها خفية في الصباح وبعيداً عن أعين الجميع حتى أبي.. وأين.. في حجرة نومها؟
كلا.. واستبعدت هذا الخاطر تماماً من ذهني..
هل يكون عشيقها.. يا إلهي.. أتكون زوجة أبي من هذا النوع الخائن من الزوجات.. أمعقول هذا الذي يحدث أم أني في كابوس فظيع..
ومرت عدة دقائق وأنا في ذهول حتى دخلت زوجة أبي الحجرة التي أجلس بها..
فوجئت حين رأتني وكأنها ترى وحشاً مرعباً.. تراجعت صارخة بذعر ثم تمالكت نفسها بعد برهة قائلة كأي سيدة شريفة:
ــ أهذه أنت أيتها التافهة الحقيرة.. ما الذي أتى بك إلى البيت في هذه الساعة؟
كدت أصرخ بوجهها قائلة: لقد عدت لأرى حقارتك وتفاهتك..
لكنني أمسكت بلساني وأنا أفكر.. يجب ألا أبدو خاضعة ذليلة لها بعد الآن فتستمرئ ذلك.. يجب أن أقف لها وجها لوجه وأفهمها بقوتي المفاجئة بأنني قد عرفت كل شيء وأستطيع أن أفعل أي شيء..
لم أنكس رأسي كعادتي وأتهته بالكلام.. بل رفعت رأسي علياً وأنا أواجهها بنظراتي وقلت لها بهدوء ينبض بالتحدي:
ــ عدت لأنني مريضة وقد صرفتني المدرسة باكراً لأرتاح..
كفأر وقع في مصيدة أخذت تنظر في كافة الاتجاهات وكأنها تبحث عن معين لها في هذه المحنة.. قالت بعد لحظات وهي تبتلع ريقها بصعوبة:
ــ منذ متى وأنت هنا؟
علت ابتسامة سخرية شفتي رغم كل شيء.. كدت أقول لها ساخرة: منذ وداع الحبيب.. ولكنني قلت وأنا انظر في عينيها بجسارة:
ــ منذ نصف ساعة تقريباً ولم أجد صفية في البيت..
ثم ركزت على كلماتي وأنا أقول:
ــ وكدت أحسبك نائمة..
اضطربت اضطراباً واضحاً وابتلعت ريقها مرتين وكأنها ستقول شيئاً، ولكنها صمتت في النهاية ثم قالت بارتباك ملحوظ:
ــ ارتاحي الآن وسأعود لك فيما بعد..
وما أن غادرتني حتى هنأت نفسي على ذكائي.. كان هذا هو الطريق الوحيد أمامي لإخضاعها وكسر شوكتها.. لم يكن هناك بد من أن اقف أمامها بهذه القوة..
لم اسمعها يوما تطلب مني أن ارتاح ولكن بعد أن شكت في كشفي لحقيقتها عاملتني بكل اللين والود..
غلبني النوم وأنا في دوامة من أفكاري لأفيق وصفية تضع أمامي صينية الطعام.. قلت لها بهدوء:
ــ صفية.. أين كنت في الصباح.. لقد بحثت عنك في كل مكان..
قالت لي بهمس:
ــ ليس هذا الصباح فقط يا منى.. بل كل صباح.. مدام عواطف تبعث بي إلى بيت والدتها لأنظف وأطهو لها الطعام ثم أعود سريعاً قبل أن تعودون جميعاً..
أطرقت برأسي مفكرة وقد أدركت الموضوع ككل.. إن هذه المرأة المخادعة ليست تلك العفيفة الشريفة كما يظنها أبي ونظنها نحن، بل هي امرأة حرباء خائنة.. تخدعنا جميعاً وأولنا أبي.. وتبادر إلى ذهني سؤال مر.. ولماذا لا أبلغ أبي بكل ما رأيته وهو يتصرف التصرف المناسب؟ لكن ترى هل سيصدقني؟ وإذا افترضنا أنه صدقني هل سيراقبها في صمت أم سيواجهها فوراً وأتحمل أنا كل شيء.. إذن هل أتقاضى وكأن شيء لم يكن.. لكن كيف.. كيف أستطيع الصمت وبركان هائل ينفجر داخل بيتنا وهذه المرأة تلقي بكرامتنا في الأوحال وتشوه سمعتنا.. انتهيت من تساؤلاتي الحادة إلى لا شيء، فأبي يحب هذه المرأة حباً شديداً ولا يرفض لها طلباً ولو شاءت أن يركع أمام قدميها فكيف يقتنع بروايتي بسهولة.. قررت أخيراً أن استشير معلمتي فاطمة في هذا الأمر، فهي أكبر مني وستخبرني بالحل الصحيح.
مضى اليوم وزوجة أبي في وجوم شديد تتحاشى النظر إلى وجهي وتحاول إشغال نفسها بأي شيء سوى الجلوس معي.. سألها أبي على مرأى مني:
ــ ما بك يا عواطف تبدين متعبة هذا اليوم.. هل أعرضك على طبيب؟
اغتصبت ابتسامة وهي تقول:
ــ كلا.. لا شيء.. ثم نظرت إلى وقد تبدلت نظرتها على نحو مفزع مخيف وهي تتابع:
ــ إن منى هي المريضة فقد أتت اليوم من المدرسة متعبة بعض الشيء..
لم يكلف أبي نفسه ويقترب مني ليسألني عن أحوالي، وكأن هذا العمل جريمة يخشى منها.. اكتفى بأن ألقى علىّ نظرة لا مبالية وهو يقول بفتور:
ــ إنه إرهاق من المذاكرة فقط لا غير..
ومضى غير عابئ بشيء..
حكيت لمعلمتي كل شيء حدث في منزلنا.. نظرت إلى بتركيز شديد ثم صرخت بي قائلة:
ــ لقد أخطأت يا منى.. لم يكن عليك أن تواجهيها بهذه الطريقة السافرة.. أنت مخطئة..
أجبتها ببراءة:
ــ على العكس يا أبله فاطمة لقد أخضعتها بهذه الطريقة وبعدها لن تجرؤ على إذلالي وتحطيمي ومعامتي كالخادمة..
قالت المعلمة وعلى وجهها إمارات الاستياء الشديد:
ــ كلا.. كلا.. يا منى أنت بتلك المواجهة أخفتيها حقاً لكن ليس لدرجة أن تتنازل لك عن كل شيء بسهولة فهي أقوى من هذا بكثير.. إني خائفة عليك يا حبيبتي.. لكن اطمئني لن تستطيع إيذائك.. والأفضل أن تخبري أباك بكل شيء..
قلت بلهفة:
ــ ولكن أخشى ألا يصدقني..
قالت بحسم:
ــ بل سيصدقك وحتى لو لم يصدقك فهو سيشك في الأمر ولا يوجد دخان بغير نار..
أجبتها باستسلام:
ــ سأبلغه ولكن ليس الآن.. سأقلب الأمر من جميع وجوهه أولاً..
قالت بإشفاق:
حسناً يا منى.. ولكن لا تتأخري كثيراً في إبلاغه..
كانت معلمتي على حق، وكنت قد تأخرت فعلاً في إبلاغ أبي.. رغم أن التأخير لم يدم سوى أربع وعشرين ساعة فقط لكن هذه المرأة الحرباء كانت تفكر بسرعة أكثر مني لتقضي عليّ وكانت الضربة في الصميم.. وتلقيت أكبر صدمة في حياتي وأقوى صفعة..
فقد عدت ذلك اليوم من المدرسة لأجد أبي أمامي منتفخ الأوداج.. متغير الوجه وقد انقلبت سحنته انقلاباً عظيماً.. نظرت إليه بخوف وقد سقط قلبي بين أقدامي فقد قدرت انه ربما يكون قد اكتشف خيانة زوجته له.. لكن الصفعة القوية على وجهي أيقظتني من كل أحلامي.. وفوجئت بأبي يهدر بغضب:
ــ تكلمي أيتها السافلة.. من هذا الشاب الذي تستقبلينه في البيت في غيابنا؟
فغرت فاهي دهشة وذهولاً.. أنا.. أنا.. لكنني لم أستطع النطق.. لم أستطع حتى الصراخ.. تابع أبي صراخه:
ــأيتها المجرمة القذرة.. مثل أمك.. لو لم أربيها لسلكت سلوكك المشين.. إنك تستحقينالقتل لندفن العار..
وانهال يضربني بكل ما أوتي من قوة.. ومن بين دموعي رأيتهاتلك الأفعى زوجة أبي تحاول أن تنقذني من بين يديه وهي تقول:
ــ طيش شباب يا عبدالله.. إنها ما زالت فتاة مراهقة والعيب ليس عليها بل عليك أنت..
هتف عالياً:
ــ وماذا أفعل؟ أسجنها في البيت.. أفصلها من المدرسة.. كل بنات العائلاتالمحترمة يدرسن ولا يقترفن هذه الآثام.. إنها مجرمة.. مجرمة وتستحق القتل مثلأمها..
وانسابت دموعي بغزارة لتغرق وجهي وتبلل ثيابي.. وما ذنب المرحومة أمي في هذه المؤامرة الدنيئة التي مثلتنها هذه المرأة.. ما ذنب أمي المتوفاة لتنال كل هذا السيل من الشتائم والتجريح..
لم أستطع الدفاع عن نفسي وهذا الاتهام البشع يلتصق بي كثمرة محرمة.. لم أستطع أن أعبر عن جراحي ولو بصرخة ألم تذيب قلب هذا الأب المقدود من حجر..
وأخيراً تركني أبي بعد أن حال جسدي إلى خرقة بالية لا تستطيع التحرك إلا بصعوبة..
ساعدتني صفية على الانتقال إلى سريري وأبي يغلي كمرجل من غضب وهو يهتف بين الفينة والأخرى:
ــ سأؤدبها.. سأربيها..
وتلك الفاجرة ترد عليه بكلام لم أستطع أن أتنبه لشدة تعبي ووهني..
حطمتني الفاجعة وضيعت ما بيني وبين أبي إلى الأبد.. لقد قطعت عليّ هذه الأفعى الطريق، فلن يكون بيني وبين أبي حديث بعد اليوم.. وأي حديث وقد تقطعت الأواصر ووهنت العلاقات.. حتى أحمد كرهه أبي لكرهي وأصبح ينأى أن يحدثه أو حتى يسأله عن أحواله..
لقد حولت تلك الأفعى كل شيء لمصلحتها وأرادت أن تحطمني قبل أن أحطمها وما زلت حتى اليوم أذكر ابتسامتها الساخرة وهي تطل عليّ وتسألني إن كنت أريد شيئاً وكنت أدير وجهي جهة الحائط وأبكي بحرارة..
لماذا تنهال هذه المآسي على رأسي بغزارة حتى نسيت طعم السعادة.. وقد خلت حياتي منها.. ومن منت أنتظر منه الأمان تخلى عني بقسوة ولم يسمع دفاعي عن نفسي أو حتى يسمح لي بكلمة حق أو اعتراف بالذنب.. حتى معلمتي الحبيبة فاطمة حينما فوجئت بانقطاعي عن المدرسة حاولت أن تحادثني أو تزورني.. لكن أبي رفض رفضاً قاطعاً أن أكلم أو أستقبل أحداً حتى يبت هو في أمري..
وبت في أمري للأسف الشديد.. فقد فوجئت بعد أسبوع من الواقعة وحين استرددت بعض قواي، بأبي يلقي علي ثوباً طالباً مني أن أرتديه.. وبعد لحظات دخل على الحجرة شيخ طاعن في السن.. فوجئت.. التصقت بالجدار من هول الصدمة.. هل هذا أنس أم جن.. هل هو شيخ حقيقي من لحم ودم أم هو.. ماذا؟ أيكون أبي قد جن حتى يسمح لرجل كان من كان باقتحام حجرتي.. هتفت بصوت مبحوح من كثرة البكاء والصراخ:
ــ من أنت.. أخرج هيا بسرعة..
جاءني صوت أبي داخلاً إلى الحجرة وهو يبتسم لأول مرة منذ أسبوع:
ــ هذا زوجك يا منى.. العم صالح.. هيا حضري نفسك لتذهبي معه.. بسرعة..
وخرج أبي ومعه هذا الشيخ الطاعن في السن، لأتهاوى تحت أحد الجدران باكية بعنف.. سامحك الله يا أبي.. ماذا فعلت لتدفنني وأنا عز الشباب.. ومع من مع الشيخ يكبر أبي بعشرين سنة على الأقل.. إن الموت أحب إلى من هذا..
لم ينفعني بكائي وهذه المرأة تدخل عليّ تسحبني من يدي لترتيب شعري وتزيين وجهي وهي تأمر صفية بتجميع كل ملابسي.. وأنا أبكي وأحمد يبكي وهو متعلق بي يصيح:
ــ منى.. لا تتركيني.. منى أرجوك لا تتركيني..
صرخت به زوجة أبي:
ــ اسكت أيها الولد الشقي.. أختك ستتزوج وستذهب مع زوجها.. هيا ويكفي هذا التدلل..
تركتها ترتب شعري.. جفت دموعي فجأة وداخلي يغلي كالبركان وقلت لأحمد بصوت هادئ وكأنه ليس صوتي:
ــ اطمئن يا أحمد.. سأعود..
والتقت نظراتنا في المرآة.. نظراتي المهددة والمتوعدة بنظراتها المطمئنة وإن كانت تحمل بعض الخوف..
وما أن ضمنا البيت الكبير الموحش أنا وزوجي حتى صرخة به قائلة:
ــ ابتعد.. ابتعد عني.. إذا اقتربت فسأصرخ عالياً حتى يجتمع الناس عليك..
قال بحنان افتقدته منذ زمن طويل:
ــ اطمئني يا منى.. أنت في بيتك ولا تخافي مني.. سأتركك بمفردك حتى تهدئي..
جلست أحدق ذاهلة في كل ما حولي.. كان كل شيء يدل على الثراء الفاحش الأسطوري.. فلم يسبق لي أن رأيت مثل هذه الجدران اللامعة والثريات الكبيرة العملاقة وهذه التحف والرياش.. لم يسبق لي أن رأيت أي شيء من هذا في حياتي سوى في الأفلام التليفزيونية.. وأدركت أن أبي قد باعني لهذا الرجل.. باعني ليضرب عصفورين بحجر واحد.. يتخلص من عاري كما يعتقد ويكسب الأموال الطائلة.
أخذت أفكر بسرعة وذكائي يرسم لي الطريق.. لن أستفيد شيئاً من عراكي مع هذا العجوز الذي اشتراني.. لن أستفيد شيئاً من جفائي وعنادي وبكائي بل على العكس من ذلك ربما أخسر من حيث أعتقد أنني أكسب فربما طلقني وأعادني إلى بيت والدي.. إلى تلك الأفعى البغيضة التي لا تتورع على فعل أي شيء لتبعدني عن طريقها.. هذه المرة كان الإبعاد بالفضيحة والزواج من هذا العجوز فما يدريني ما يتفق عنه ذهنها في المرة القادمة.. ربما قتلتني أو زجت بي في السجن أو أعظم من ذلك فهي لا تخاف الله ومن لا يخاف الله يجب أن نخاف منه.. هكذا علمتني أمي.. وعلى هذه الحكمة عشت حياتي وعندما تخليت عنها برهة حدث لي ما حدث..
لا أنكر أن الطلاق من هذا العجوز هو هدفي، لكن ليس الآن وفي بيتنا يحدث ما يحدث.. يجب أن أروض نفسي على الصبر والتحمل حتى أجد لي مخرجاً.. كما أنني قد عرفت هذا الرجل العجوز وأدركت للوهلة الأولى حنانه الواضح.. ربما كان هذا الحنان لهدف تهدئتي.. لكنني سأستغل كل شيء لصالحي، فإنني وبهذه الظروف لن أجد من يشفق عليّ غيره فبيده مصيري ومصير حياتي المقبلة.. سأحاول أن اكسبه لصفي بقدر ما أستطيع..
بدلت ثيابي وأخذت أتجول في الفيلا الكبيرة الرائعة.. كان الدور الثاني يتكون من خمس حجرات للنوم عدا حجرة نومي الكبيرة.. وفي الدور الأول سبع حجرات منها حجرة واحدة مغلقة لم أستطع فتحها.. وفي تجوالي بالبيت لفتت نظري خادمة سوداء تراقبني بعينيها اللامعتين.. وحين رأتني أنظر إليها افتر ثغرها عن ابتسامة أظهرت أسنانها البيضاء.. كانت ترتدي ملابس رثة لا تتناسب وفخامة هذا البيت..
سألتها عما إذا كانت تعرف العربية فأومأت بالإيجاب.. كدت اسألها عن الرجل العجوز أين هو لكن اكتشفت يا للسخرية أنني لا أعرف حتى اسمه الأول.. قلت لها بهدوء:
ــ أين السيد.. هل خرج؟
قالت ببساطة:
ــ لا أدري..
كدت ألقي عليها أسئلة أخرى عن هذا الرجل وهل له زوجة وأولاد، لكنني أيقنت بأنها لن ترد على أي من أسئلتي..
جلست في الصالة الكبرى التي تعلوها ثريا ضخمة تتلألأ فيها عشرات الأضواء، حتى حضر زوجي الشيخ الذي تطلق عليه الخادمة اسم "عمي صالح"..
لأول مرة منذ غادرت معه منزل أبي أراه بوضوح.. قصير القامة محني الظهر تملأ وجهه لحية كبيرة بيضاء يناهز السبعين من العمر.. تبدو عليه سيماء رجل الأعمال..
بادرني قائلاً وضحكة كبيرة تملأ وجهه:
ــ |
|