تعود الطفل على الصيام



يشعر أفراد العالم الاسلامي بسعادة كبيرة لاقتراب شهر رمضان المبارك، ويترقبون هذا الشهر الفضيل بالاستعداد له لإحياء لياليه وقضاء أوقاته في التعبد و صلاة التراويح بعد صلاة العشاء و قراءة القرآن و زيارة الأقارب و الاستعداد للاحتفال بالعيد, وفي رمضان يتعلم المسلم الصبر على العطش و الجوع وتحمل المصاعب في سبيل الله، ويشعر المسلم بشعور الفقراء والمحتاجين عندما يُحرم من الطعام والشراب، وينال رضى الله -سبحانه وتعالى- ويشعر المسلمون بالأخوة و التعاون و التكافل بين الأغنياء والفقراء في رمضان.
وقد فرض الله الصيام على جميع المسلمين, فوجب على كل مسلم بالغ عاقل الصيام وعلى الطفل أن يعتاد عليه منذ الطفولة حتى لايجد صعوبة عند الكبر, وعلى الأم أن تحرص على تربية طفلها على ذلك, والسؤال الذي يبرز في هذا السياق لدى العديد من الأباء والأمهات هو:

كيف نعود أطفالنا على الصيام ؟
القدوة الحسنة:
السيدة بثينة القواسمي -معلمة تربية إسلامية- قالت: يجب أن نهتم بالأطفال بخصوص العبادات و بالأخص مع شهر الصوم اهتمامًا كبيرًا، فمثلاً علينا إعطاؤهم القدوة الحسنة، فالطفل الذي ينشأ في أسرة تصوم هو بالتأكيد مختلف عن طفل ينشأ في بيئة لاتصوم , وعلى الأباء تعويد أطفالهم على تناول وجبة السحور مع العائلة فالطفل قد لا يستطيع الصبر على الجوع، فمرحلة الطفولة هي مرحلة إعداد و تدريب وتعويد للوصول إلى مرحلة التكليف عند البلوغ ليسهل عليه أداء الواجبات والفرائض عند الكبر.
ويعد التشجيع حافزاً قوياً للفرد, فكيف بالنسبة للطفل؟! فالطفل بحاجة دائما للدعم ويكون بعدة طرق : كتحضير الوجبات التي يحبها ، ومدحه أمام الآخرين، والإخبار أنه استطاع أن يصوم، ولابأس من زيادة مصروفه مكافأة له، و جلوسه مع الكبار عند الإفطار ليحس أنه مثلهم. وعلى الأم أن تظهر الاهتمام بابنها الصائم، بأن تأخذ رأيه في نوع الطعام الذي يحب أن يفطر عليه، ومن ثم تصنعه له، و تعد له مكانًا على مائدة الإفطار مثله مثل الكبار.

مراعاة الحالة النفسية للطفل:
وتقول د. فاتن النهار -مدرّسة الثقافة الإسلامية-: على الوالدين أن يربيا أولادهما على محبة شهر رمضان المبارك، و يرغبانهم في صومه وذلك بذكر الأجر الذي أعده الله للصائمين في الجنة وأن الصوم لله، وشرح ذلك بأسلوب لطيف و بسيط، و عرض مشوق يتناسب مع عقول الأطفال و مستوى تفكيرهم، و لا ننسى أهمية القدوة الحسنة للأطفال، فإذا شاهد الطفل نماذج حسنة سيقلدها , وعلى الأم مراعاة ظروف الطفل النفسية، فقد يكون متوترًا و غاضبًا من أثر الجوع و العطش، فعليها ألا تحاول استفزازه , فربما يفطر بحجة الغضب، وبالتالي يجب توفير جو ديني هادئ. وإذا طلب الطفل الصائم الطعام قبل موعد الإفطار على الأم أن تلهيه عن موضوع الطعام، و تناقشه في موضوع آخر، وعليها أن تشد عزمه، ولا تذكره بالمدة المتبقية للإفطار إذا كانت طويلة , وقد تلهيه باللعب أو بقراءة القرآن و الكتب المفيدة , وعلى الأم ألا تنسى إخبار الصغار بأهمية هذا الشهر و فضله بما تدركه عقولهم، و تذكيرهم بما يعانيه الأطفال المسلمون في كثير من الدول من فقر وجوع، وتحملهم العطش و الجوع، فنحن نقتدي بهم ونتذكر حالهم، ونحاول التحمل و الصبر مثلهم.

روح التنافس والتحفيز:
وتقول الأستاذة فريال العرموطي -مدرسة التربية الإسلاميه-: على الطفل أن يدرك بأن شهر رمضان فرصة عظيمة وأيام فضيلة لا بد من استغلالها، والأم مسؤولة أمام الله -عز وجل- بتربية قلوبهم و عقولهم وتغذية أبنائها التغذية السليمة حتى يتمكنوا من الصيام, وعلى الأم ألا تتساهل في الصيام حتى ينشأوا على حب هذه العباده, وإذا كان في البيت أكثر من طفل؛ فعلى الأم أن تحيي بينهم روح التنافس على الصوم والعمل الصالح، وتعدهم بالهدايا لمن أتم الصيام، وتنفذ وعدها. والأهم من كل ذلك إعداد الطفل قبل رمضان للصيام، والتدرج بتصويمه ولو لساعات محدودة، حتى لو لم يكمل كل اليوم، وإنما يتدرج معه إلى الظهر ثم إلى العصر إلى أن يتعب وهكذا
ومن الخطأ أن تصر الأم على صوم الطفل مع إهماله لجانب الصلاة، وهذا فيه مخالفة للشرع، فقد أمرنا الرسول -عليه الصلاة والسلام- بتعويد الطفل على الصلاة منذ السابعة، فالصلاة قبل الصيام, إن اصطحاب الأطفال إلى المساجد له أثر واضح في انشراح الصدر ونزول السكينة , حيث يتذوق الطفل حلاوة العبادة، وبالتالي يحس بإلإيمان، فيحب شهر رمضان, وعلى الأم أن تحدّث أطفالها عن فضل رمضان وثواب الصائمين، وعن شوقها القوي لقدومه، وأن تدعو الله بخشوع أمام أولادها , وعليها أن تأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية بين الأطفال، وذلك في القدرة على الصبر، فهناك من لا يصبر على الجوع، وهناك من لا يبالي بالطعام، فعليها أن تعامل كل طفل بما يتناسب معه.

التربية الروحية:
السيدة منيرة الصيفي -أم لثلاثة أطفال- تحدثنا عن تربيتها لأطفالها؛ فتقول: عودت صغاري منذ الطفولة على الصيام، حتى لا يجدوا صعوبة عند الكبر، وكنت أتغاضى عن بعض أخطائهم في الصيام في أول مرحلة لتعويدهم، ثم التدرج بهم إلى مرحلة الصيام الكامل، و كنت أوحي لأطفالي من خلال طريقة حديثي و تعاملي معهم بقدرتهم على تحمل المسؤولية وإرادتهم القوية، ولم أشتمهم أبدًا؛ بل استخدمت سياسة الترغيب لا الترهيب , وكنت أذكّرهم بالفقراء و المساكين، وأحذّرهم من الإفطار في نهار رمضان، وتقبيح هذا الفعل و تشنيعه، وإظهار أنه من صفات الكفار، وأهم من كل ذلك القدوة الحسنة، وأقوم بجمع الأسرة قبيل الإفطار، وبيان فضل هذا الشهر ومزاياه، فزرع محبة ذلك الشهر وفهم الغاية منه تبدأ منذ الطفولة، وينبغي ألا تمنع الأم طفلها من الصيام، فهناك من الأمهات من تمنع طفلها من الصوم شفقة به، وهذا يحرم الطفل من فوائد تربوية عديدة كضبط النفس و التعويد على العبادة وبناء ثقته بقدراته.

المسايرة والتدرج :
السيدة فاطمة العورتاني -أم لخمسة أولاد، من بينهم طفلان- تقول: لم أعاني سابقًا من رفض أحد الأبناء الصيام، لكن حاليًا أعاني من طفلي لؤي، وعمره عشر سنوات، أي أنه ليس صغيرًا، لكنه لا يحب الصيام، ولاحظت ذلك من كثرة شكواه، فهو يدعي المرض كثيرًا، لكن الطبيب أخبرني أنه يتظاهر به حتى لا يصوم, وقد عاقبه أبوه أكثر من مرّه بمنعه من المصروف، ووعدنا أنه سيصوم؛ لكننا تفاجأنا بأنه يفطر بالسر، وتعلمت أن العقاب لا يفيد؛ لذلك بدأت بأسلوب جديد وهو عدم عقابه، لأن العقاب زاد من المشكلة بسبب عناده، فقلت له: لا بأس من صيامك نصف النهار فقط، ففرح كثيرًا وصام نصف النهار، وكانت تلك البداية الموفقة له، واستمر الحال لمدة خمسة عشر يومًا من رمضان إلى أن خجل من نفسه؛ لأن أخوه الأصغر يصومه كله. ووعدني أنه سيصوم رمضان القادم كله إن شاء الله.
أريد تقديم نصيحة لكل أم، وهي: عدم إجباره على الصيام؛ لأنه سيكرهه، بل إن المسايرة أفضل طريق، وأنصحها أن تتغاضى عن أطفالها إذا أخطأوا , كما أن الكلمة الطيبة من الأم والأب المصحوبة بالثناء و التشجيع لها مفعول أكيد، والأم ستحتاج إلى الكثير من الصبر و المجاهدة، ولكن ستنضبط الأمور فيما بعد بإذن الله، ربما يكون ذلك في آخر شهر رمضان، وربما لا تنضبط أكثر إلا فيما بعد.

التراحم العائلي:
عند حلول رمضان قائمة الطعام المتنوعة و الإستعدادات المادية، فنحن بذلك نزرع في حسّه أن رمضان شهر (الفتوش و العصائر و الحساء)!، وعلى كل أم أن تزرع الخلق الحسن في الطفل، ولا ننسى أن الأسرة المتوافقة المتحابة، و التي يقوم فيها الأب و الأم بدورهما الوظيفي من الرحمة و العطف و الحنان و التربية؛ هي أسر سعيدة مطمئنة، فينشأ الطفل مطمئنًا، ويتعود على الصيام. فمثلاً ابني علاء يصوم وهو حاليًا بالصف الثالث الابتدائي، أما ابني عمر فبدأ الصيام من الصف السادس فبنية جسمه نحيفة, ولم أجبره يومًا على الصيام، بل راعيت ظروفه الجسمية. وهناك طريقة جيدة للتدرج في الصيام للأطفال، وكنت أطبقها مع ابني علاء وهي أنني كنت أوقظه باكرًا وأجعله يتناول طعام الإفطار ثم ينوي الصيام وكان هذا في الصف الأول الابتدائي.
وتضيف أن حب شهر رمضان ينشأ منذ الطفولة، والأطفال سيحبونه من خلال حب الأم و الأب له، فالجو الذي يعيشه يؤثر عليه، و ينبغي الحرص على غرس الإخلاص، وطلب الأجر و المثوبة من عند الله في نفوس الأطفال، وبناء معنى الاحتساب في نفوسهم الصغيرة، وتأصيل الرغبة في الارتقاء إلى الأفضل في علاقة الطفل بخالقه، بحيث يتقدم دائمًا إلى الأمام, وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لتربية أولادنا على الخير و البركة.



ju,] hg'tg ugn hgwdhl