الملاحظات
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 24

الموضوع: اكبر مكتبة لمحاضرات كبار المشائخ والعلماء الثقات مكتوبة ومرتبة

المحاضرة الاولى : جهود السلف في الدعوة للشيخ محمد المنجد حفظه الله من جهود السلف في الدعوة إن الدعوة إلى الله من أجَلِّ الوظائف والأعمال وأرفعها،

  1. #1 اكبر مكتبة لمحاضرات كبار المشائخ والعلماء الثقات مكتوبة ومرتبة 
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    مكتبة, مكتوبة, المشائخ, الثقات, اكثر, كبار

    المحاضرة الاولى :

    جهود السلف في الدعوة للشيخ محمد المنجد حفظه الله

    من جهود السلف في الدعوة

    إن الدعوة إلى الله من أجَلِّ الوظائف والأعمال وأرفعها، فأجرها عظيم ودرجتها رفيعة، فهي وظيفة الرسل. ولقد ذكر الشيخ في هذه المادة فضل الدعوة وأهميتها وصوراً من حياة الأنبياء ومواقف السلف في الدعوة إلى الله.

    أهمية الدعوة إلى الله تعالى وفضلها




    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: أيها المسلمون: إن الدعوة إلى الله أجرها عظيم وهي وظيفة الرسل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي يوم خيبر : (أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) خير لك من هذه الإبل العظيمة عند العرب. ويكفي الداعية إلى الله تعالى أن له مثل أجور من اتبعه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) رواه مسلم . وروى أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) وهذا ترغيب وحث ودفع للدعوة إلى الله. وكذلك فإن الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير، فماذا نريد من الأجر أكثر من هذا يا عباد الله؟! ونحن قد أصبنا فيما أصبنا بالتقصير في الدعوة إلى الله، وعدم الحرص على هداية الناس، مع عظم هذه العبادة. لما تركت الدعوة تفشت المنكرات والمحرمات، وصار كثير من الناس في عمى وضلال، لقد كان أنبياء الله في غاية الحرص على هداية الناس إلى السبيل القويم.


    صور من دعوة الأنبياء إلى الله سبحانه وتعالى




    إن الدعوة إلى الله دليل على إخلاص الإنسان لمبادئه، فإذا كنت تحب دينك فعلاً فستكون حريصاً على الدعوة إليه، إذا كنت معتنقاً لمبادئ الإسلام حقاً فستكون حريصاً أشد الحرص على منادات غيرك إليه.



    دعوة نوح عليه السلام لقومه



    ولذلك كان نوح عليه السلام في غاية الحرص على دعوة قومه: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً [العنكبوت:14] يدعوهم إلى الله من غير فتور ولا توانٍ مستخدماً بجميع الأساليب الممكنة: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً [نوح:5-7] هل صده ذلك عن الدعوة؟ هل منعه إعراض المعرضين عن الاستمرار في العمل؟ كلا والله قال الله: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً [نوح:8-9] فنوع أساليب الدعوة، ودعاهم بالليل والنهار، ودعاهم جهرة ثم أسر لهم سراً، وجمع لهم بين الأسلوبين في غاية الجد والنصح وتبليغ الرسالة.



    أعلى الصفحة



    يوسف عليه السلام في الدعوة إلى الله



    وهذا يوسف عليه السلام لما أدخل السجن لم ينس في كربة السجن وغربته وظيفته ومهمته، بل شرع يمارس ذلك بسرعة وفي أقرب فرصة، قال تعالى: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36] على محياه سيما الصلاح، إنا نراك من المحسنين، كان داعية بعمله وبسمته: قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا [يوسف:37] ثم ذكر مباشرة الدعوة إلى التوحيد: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:37-39]. شرع في الدعوة إلى الله في ذلك المكان، في ضيقه وكربته، ووحشته وظلمته، قائماً بأمر الله، داعياً إلى الله عز وجل، حريصاً على هداية هذين الرجلين الكافرين.



    أعلى الصفحة



    قصة الرجل الساعي من أقصى المدينة



    ألم يأتكم نبأ الرجل المسلم الذي قال الله في شأنه: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً [يس:20-21] وسارع يدعوهم إلى التوحيد: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ [يس:23] أي: هذه الأوثان المعبودة، والأصنام المقصودة: لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [يس:23-25]. إن كل كلمة في هذه الآية لها معناها ومدلولها، وجاء رجل، أي: تحققت فيه صفات الرجولة بأجمعها: مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ليس من مكان قريب، لم يحضر عندهم وإنما جاءهم من أقصى المدينة، وكيف جاءهم؟ هل جاءهم ببطء؟! جاءهم يسعى سعياً حثيثاً. فلأي شيء جاء من أقصى المدنية وأتعب نفسه؟ جاء ليبلغ قومه دين الله عز وجل، يقول: يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ كان حريصاً على هداية قومه، ولما مات تتابع حرصه عليهم بعد موته، سبحان الله! ولذلك قال لما قتلوه بعدما لقي الله: قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27] لا زال حريصاً عليهم، بعد موته وبعد انقطاعه عن الدنيا لا زال يتمنى أن قومه يعلمون ما لقيه من الله، وما غفر الله له، والإكرام الذي وجده عند ربه، إنه الحرص في قلب هذا الرجل على هداية قومه.



    يتبع

    h;fv l;jfm glphqvhj ;fhv hglahzo ,hguglhx hgerhj l;j,fm ,lvjfm







    رد مع اقتباس  

  2. #2  
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته لقريش والعالم أجمع



    عباد الله: لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل في حرصه على هداية قريش والعرب؛ بل والناس أجمعين، وكان يدعو فوق الجبل، وفي المسجد والطريق وأسواق العرب، ومنازل الناس، وفي مواسم الحج، يقوم بالدعوة إلى الله في الحضر والسفر، وفي الأمن والقتال، والصحة والمرض، وعندما يزور أو يزار، وكان يوجه دعوته إلى من أحبوه وإلى من أبغضوه، ولذلك كان يذهب إلى منازل الناس للدعوة في منى ، إذا نزلت القبائل فيها في موسم الحج، ولذلك يقول ربيعة بن عباد الدؤلي : (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في منى في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول: يا أيها الناس! إن الله أمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، ووراءه رجل وضيء أحول يقول: يا أيها الناس! إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم). النبي عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الله ووراءه رجل من الكفار يثبطه ويثبط الناس عن قبوله، النبي عليه الصلاة والسلام يكلمهم وهذا الرجل يصدهم، فسألت عن هذا الرجل؟ فقيل لي: أبو لهب ، عمه، يمشي وراءه يثبط الناس عن الدعوة، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يفتر عنها، ويقول للناس في أسواق الموسم، في مجنة و عكاظ ، من يؤويني ومن ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي؟ حتى أكرمه الله بذلكم النفر الكرام من الأنصار الذي بايعوه في العقبة وكان ذلك فتحاً وانطلاقةً عظيمة في الدعوة إلى الله عز وجل. كان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب ليدعو حتى عبد الله بن أبي المنافق الكافر الذي صد عن الدين، ويركب حماراً وينطلق المسلمون يمشون معه في أرض سبخة مالحة، لا تنبت الأرض من ملحها، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال المنافق: إليك عني! والله لقد آذني نتن حمارك، ومع ذلك يقوم النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة، ولما سمع أن رجلاً من اليهود -شاباً- مرض، حرص على زيارته والاهتمام بدعوته، وكان قد دعاه إلى الإسلام فعاده، كما روى البخاري في صحيحه عن أنس قال: (كان غلاماً يهودياً فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم- فأنقذه الله به من النار). وحضر أبا طالب حين نزل به الموت يدعوه إلى الله يقول: (يا عمِ! قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله) ولكن غلبت على أبي طالب الشقوة وأطاع أصحاب السوء ورفقاء السوء الذين قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزالوا به حتى مات على الشرك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له إلى آخر لحظة: قل لا إله إلا الله، قل لا إله إلا الله، كان حريصاً على أن تختتم حياة أبي طالب بالتوحيد، الحرص هو الذي جعله يذهب هذا المذهب ويجهد هذا الجهد رضي الله تعالى عن أصحابه الذي حملوا لواء الدعوة من بعده. النبي صلى الله عليه وسلم دعا، ولقي الأذى. النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى الطائف للدعوة، يذهب إلى جبالها وأهلها يدعوهم إلى الله، يرجع وقد أصابه من الغم ما أصابه؛ لأنهم صدوه ورفضوه، حتى بلغ به الهم أنه يمشي لا يدري أين مقصده، ولم يستفق صلى الله عليه وسلم إلا وهو بـقرن الثعالب ؛ وهو موضع قريب من مكة ، وهو قرن المنازل ميقات أهل نجد ، وقف عنده صلى الله عليه وسلم، وكان في غاية الغم، لا يدري إلى أين يمشي، فلماذا كان مغموماً؟ لأنهم صدوه ولم يقبلوا دعوته، ولذلك فإن من صدق الداعية أن يحزن إذا رفض الناس دعوته، لكنه لا يهلك نفسه عليهم: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3] أي: لعلك مهلك نفسك من أجل أنهم لم يؤمنوا، ما دام أن الله كتب عليهم الشقوة فإنك لا تهدي من أضل الله، لكن بذل الأسباب والقيام بالأمر وإبلاغ الدين والذهاب إلى الناس في أماكنهم وبلدانهم يدعوهم إلى الله. ولما كانت هناك بلاد بعيدة يشق عليه صلى الله عليه وسلم أن يذهب إليها، ولا يمكنه ترك الناس لأجل ذلك أرسل الرسائل، لم يقل: بلاد بعيدة لا أستطيع الذهاب والسفر إليها وإنما أرسل الرسائل، لكسرى وقيصر، يرسل إلى النجاشي ، يرسل إلى المقوقس ملك الإسكندرية ، يرسل إليهم يدعوهم إلى الله: (من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بداعية الإسلام -أي: بدعوة الإسلام- أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين) إثم العمال والزراع والناس في بلدك؛ لأنك قد صددتهم: (وختم له بالآية: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64]). أرسل عليه الصلاة والسلام الرسائل مع أصحابه، عبد الله بن حذافة ينطلق إلى كسرى، وسليط بن عمرو ينطلق إلى هوذ بن علي في اليمامة ، والعلاء بن الحضرمي ينطلق إلى المنذر بن ساوى بـهجر ، وعمرو بن العاص إلى جيح ، وأبو عباد بن الجلندي بـعمان، ودحية إلى قيصر ، وشجاع بن وهب إلى شمر الغساني ، وعمرو بن أمية إلى النجاشي ، وهكذا يرسل صلى الله عليه وسلم الرسائل من أجل الدعوة إلى الله، والحرص على هداية الناس، والسعي في غرض الإسلام؛ علّ الله تعالى أن يخرج أولئك الناس من الظلمات إلى النور.



    أعلى الصفحة


    هدي السلف في الدعوة إلى الله




    أيها المسلمون: لقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم من بعده وفي حياته قائمين بأمر الدعوة إلى الله، حريصين على هداية الناس كل الحرص، ولذلك كانوا قبل القتال -حتى في المعارك- وهم يهاجمون فارس والروم وفي حروب المرتدين يعرضون عليهم الإسلام أولاً قبل القتال، لأنهم أصحاب رسالة رحمة، يريدون قبل أن تراق دماء القوم ويقتلوا ويرسلوا إلى جهنم وبئس المصير، يريدون المحاولة الأخيرة علَّ الله أن يهديهم، ولذلك كتب أبو بكر إلى جميع المرتدين، يأمرهم بالرجوع إلى الإسلام، يقول لهم: [إني بعثت إليكم فلاناً في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته أن لا يقاتل أحداً ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقر وكفّ وعمل صالحاً قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك] الدعوة قبل القتال، ولذلك كتب إلى سعد بن أبي وقاص الخليفة الثاني من بعده، الفاروق رضي الله عنه يقول: [وقد كنت أمرتك أن تدعو من لقيت إلى الإسلام قبل القتال، فمن أجاب إلى ذلك قبل القتال فهو رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، وله سهم في الإسلام ]. وكذلك فإن هذه الدعوة قد آتت بعض ثمارها، فقد عاد مع عدي بن حاتم الطائي الذي دعا قومه قبل القتال، رجع معه خمسمائة مقاتل إلى الإسلام، وكان خالد يهم بقتالهم ولكن وجه إليهم عدياً يدعوهم أولاً. وفي جبهة فارس دعا خالد بن الوليد رضي الله عنه أشراف الحيرة قبل القتال؛ فأسلم بعضهم. وكتب خالد إلى ملوك فارس يقول: [بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس ، أما بعد: فالحمد لله الذي حل نظامكم . إلى أن قال: فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم، وإلا كان ذلك نأخذها وأنتم كارهون على غلب، وبالإكراه والقوة على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة] ودعا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أهل القصر الأبيض إلى الإسلام بواسطة سلمان الفارسي الذي يعرف لغة القوم رضي الله عنه، يدعوهم إلى الإسلام والتوحيد. وكذلك قام المسلمون في الجبهات الأخرى، فهذا عمرو بن العاص في الجبهة المصرية، لما تصافّ المسلمون وأهل مصر للقتال قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: [لا تعجلوا حتى نعذر، ليبرز إليّ أبو مريم و أبو مريام راهبا هذه البلاد، فبرزا إليه، فقال لهما عمرو بن العاص : أنتما راهبا هذه البلاد فاسمعا. إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأمره به وأمرنا به محمد صلى الله عليه وسلم، وأدى إلينا كل الذي أمر به ثم مضى وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة] أي: الحماية في مقابل دفع الجزية. وكان الرجل عندما يسلم يفرح به المسلمون فرحاً شديداً، ولذلك دعا أبو عبيدة رضي الله عنه رسول الروم، السفراء كانوا يدخلون في نطاق الدعوة، فلما أسلم فرح المسلمون بإسلامه وصافحوه ودعو له بخير، وقالوا له: [ما أعزك علينا وأرغبنا فيك، وأكرمك علينا، وما أنت عند كل امرئ منا إلا بمنزلة أخيه لأمه وأبيه] احتفاء بالمسلم الجديد، حتى قال الرومي: فإنكم نِعْمَ ما رأيت. هذا هو الانطباع الذي يكون عند المسلمين بفرحهم بدخول شخص جديد في الإسلام. وعندما دعا خالد رضي الله عنه بعض الكفرة إلى الإسلام أو الجزية أو القتال، فاختاروا أداء الجزية لم يفرح خالد رضي الله عنه بذلك، رغم أن مبلغ الجزية كان كبيراً باعتبار أن عددهم كان مائة وتسعين ألفاً، بل ضاق صدره وتأسف على إعراضهم عن الإسلام وقال: [تباً لكم، ويحكم إن الكفر فلاة مضلة، فأحمق العرب من سلكه] لم يفرح بالعوائد المالية؛ لأنه كان يريد فرحة أكبر بإسلام أولئك القوم، كان الحرص من الداخل على الهداية لدرجة أن الرجل الكافر إذا أسلم تحصل فرحة عظيمة، وإذا رفض الإسلام يحصل اهتمام واغتمام، ولذلك روى زياد بن جزء الزبيدي الذي كان في جند عمرو بن العاص لما ألقوا القبض على أسرى الروم، يقول: جعلنا نأتي بالرجل ممن في أيدينا، ثم نخيره بين الإسلام والنصرانية ، فإذا اختار الإسلام كبرنا تكبيرة هي أشد من تكبيرنا حين تفتح القرية، ثم نحوزه إلينا، وإذا اختار النصرانية نخرت النصارى ثم حازوه إليهم، ووضعنا عليه الجزية، وجزعنا من ذلك جزعاً شديداً، حتى كأنه رجل خرج منا إليهم، مع أنه كافر أصلي، لكنه الحرص على الدعوة والفرح للإسلام، والحزن على إصراره على الكفر ولو كان يدفع الجزية؛ لأن الله بعثهم دعاة ولم يبعثهم جباة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يقوم بأمره، اللهم اجعلنا ممن يقومون بالحق وبه يعدلون، يا رب العالمين. اللهم ارزقنا السداد في القول والعمل، واهد قلوبنا، وطهر أنفسنا، وحصن فروجنا إنك سميع الدعاء. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم





    رد مع اقتباس  

  3. #3  
    جـــــــــــــزاك الله خير

    ويعطيك العافيه على جهودك الجباااره حقااااا





    رد مع اقتباس  

  4. #4  
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    طرق انتشار الإسلام في المناطق النائية




    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنزل علينا الكتاب والحكمة وأرسل إلينا رسولاً منا، الحمد لله الذي شرع الشرائع، الحمد لله على كل حال، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً رسول الله، إمام الدعاة إلى الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، صلى الله وسلم عليه بما علمنا وهدانا، وصلى الله على أصحابه الغر الميامين الذين قاموا بأمر الدعوة إلى الله وكانوا حريصين على هداية الخلق أجمعين. أيها المسلمون: قولوا لنا كيف انتشر الإسلام في تلك الجزر النائية؟ في الصين و أندونيسيا؟ كيف انتشر الإسلام في عدد من أقطار الأرض؟ إنما انتشر بالدعوة إلى الله تعالى، وكانت المدن الهندية الواقعة على ساحل بحر العرب مما استهدفه التجار المسلمون بالدعوة إلى الله، ولذلك لا زالت آثارهم موجودة في بونبي وغيرها من هذه البلدان الساحلية التي قصدها المسلمون بالتجارة، وشهد بجهدهم في الدعوة أعداء الله، فهذا آرلند يقول في كتابه: ولكن الكثير من أعمال الدعوة في الأسواق إنما يقوم بها أشخاص يشتغلون في مهنة أو عمل في أثناء ساعات النهار، ويخصصون أوقات فراغهم في المساء لهذا العمل الديني، فكان الواحد منهم إذا انتهى من عمله لا يذهب إلى الفرجة والفسحة، لا يذهب إلى مجالس ضياع الأوقات والألعاب وإنما كان يذهب بعد انتهاء العمل والدوام، يطوف للدعوة إلى الله عز وجل. وقال في موضع آخر: وأغلب الظن أن الإسلام قد عبر من مليبار إلى جزر لكديك و ملديك في خليج البنغال ، التي كافة أهلها مسلمون، ويدين سكان هذه الجزر بدخولهم في الإسلام إلى تجار العرب الذين استوطنوا هذه البلاد، وتصاهروا إلى الأهالي ومهدوا ذلك بذلك السبيل؛ لنشر تعاليم الدعوة في نشاط وقوة، وقالوا أيضاً: إن أولئك الدعاة إلى الله دخلوا فاتحين أجزاء الصين و أفريقيا الوسطى و روسيا ، وتم اعتناق هذه الملايين للإسلام طوعاً لا كرهاً، ولم يسمع أن الضرورة قضت بإرسال جيوش مع هؤلاء المبشرين لمساعدتهم. وهكذا قام المسلمون بالدعوة إلى الله، إلا رجلاً ممن سرق حُراً فبيع عبداً في بلد من بلاد المسلمين واسمه دارثي يقول: لما سئل وقد سرق في طفولته فبيع رقيقاً قيل له: ألا تزال تضمر السخط نحو هؤلاء الذين سرقوك وأسلموا حياتك للعبودية في أقاصي الأرض؟ فأجاب: إن شيئاً واحداً قد عوضني وهو أني لم أعد غارقاً في الجهل بين عباد الأوثان. إذاً الذي عوضه عما حصل له من الجريمة في حقه من هؤلاء المعتدين الذين اعتدوا عليه أنه صار موحداً ولو كان عبدا،ً يختار ذلك على أن يكون حراً في بلاد عبدة الأوثان. وكان المسلمون إذا جاءوا بلاداً بنوا المساجد فيها، وكانت صروح العبادة دعوة إلى الله بحد ذاتها، حتى قال بعض الكفرة: ما دخلت مسجداً قط دون أن تهزني عاطفة حادة، ودون أن يصيبني أسف محقق على أنني لم أكن مسلماً، وهذا مما يراه ويشاهده في مكان العبادة هذه. وقال بعض الكفار: كلما جاء ستة أو نحو ذلك من الرجال المسلمين إلى بلد سارعوا إلى بناء مسجد، لأجل أن يكون منارة للدعوة إلى الله عز وجل، كانت الحماسة والإخلاص في الدماء تسري، حتى إن رجلاً من الذين كانوا يشتغلون في دعوة النصارى إلى الإسلام، لما حضرته الوفاة في آخر لحظة من حياته وهو يحتضر سمعه بعض الناس يقول وهو على فراش الموت: اترك دينك وصر مسلماً، اترك دينك وصر مسلماً، فلما سئل من حوله عن ذلك قالوا: إنه يتحدث إلى النصراني، هذا الذي كان يشغل قلبه في حياته برز على لسانه حين وفاته. الدعوة إلى الله، الهم الذي في قلبه الدعوة إلى الله، الحرص على هداية الناس. أيها المسلمون كم قصرنا؟ كم يوجد عندنا من العمالة الأجنبية من الكفار؟ كم عدد الموظفين والسائقين والخدم وأصحاب المهن والحرف والفنيين وغيرهم وماذا فعلنا لهم؟


    الحث على الدعوة إلى الله




    نحن نصادفهم ونواجههم ونحتك بهم يومياً فماذا قلنا لهم؟ وهل تظنون أن الله سيتركنا يوم القيامة، أو أنه سيغفلنا عز وجل، أو أنه لن يسائلنا عما قدمنا وفعلنا؟ وقد حلوا بينكم فماذا أنتم فاعلون؟ وماذا ستجيبون الله تعالى يوم الدين؟ العتب العتب على من كان عنده كافر لماذا جلبه؟ ثم العتب العتب العتب لما صار معه فلم يكلمه عن الإسلام ولا مرة، وما هي الجهود التي بذلناها؟! أين الحرص على هداية الخلق؟ أين السعي إلى الدعوة إلى الله؟ إذا كنا مسلمين حقاً أفلا ينبغي أن تتحرق نفوسنا لنشر هذا الدين وتقديمه للناس؟! وهؤلاء الذين يذهبون ليصطافوا في بلدان متفرقة ماذا فعلوا للدعوة إلى الله؟ العتب العتب على السياحة في أرض الكفار، والعتب العتب أنهم لا يكلفون أنفسهم بدعوة، بكلمة، بعبارة يحاولون بها إدخال الناس في دين الله.


    نشاط الكفار في العمل لدينهم




    إن الكفار يعملون الأعمال المختلفة، ويجمعون الأموال الطائلة، ويجهزون البرامج المتنوعة لأجل التنصير في ديار المسلمين، فماذا فعلنا نحن لإنقاذ إخواننا أيضاً؟! ماذا فعلنا من أجل المحافظة على رأس المال؟! وماذا فعلنا من أجل جلب الأرباح لا لجيوبنا ولكن للإسلام؟! بوضعه في خزائن تفتح يوم الدين، فيجازى من أخلص لله وقام بالواجب في ذلك اليوم. إن مذابح المسلمين التي تحصل الآن ينبغي أن تكون دافعاً لنا في الدعوة إلى الله، إن الدماء التي تقطر ينبغي أن يعتصر منها قلب المسلم أسى على ما يحصل.
    ليست البوسنة إلا مذبحة مما أعدت وسيأتي بعده في ذبحنا ما لا يعد
    وسيأتي الدور على المتقاعسين، ولا زال أولئك يفعلون في المسلمين الجرائم، يتركون القافلة تمضي في الطريق ثم يفتحون النار على الأطفال والنساء والعجائز الحفاة العراة فيتساقطون في الصراخ والنحيب، ثم يتوجهون لإكمال القتل والجرم في النصف الآخر، ويخرج الصرب من أماكن السجن التي سجنوا فيها المسلمين وهذا يحمل رأس امرأة، وهذا يحمل أعضاءً وهذا يحمل أشلاء مقطعة من أجساد المسلمين، ونحن لا زلنا في أكل وشرب ولهو ولعب وسياحة وإضاعة أوقات، وصفق في الأسواق في الحرام وفي غيرها وكأن القضية لا تعنينا، كيف يكون للمسلم شهوة إلى هذه الأشياء وإخوانه يفعل بهم ما يفعل؟!! ثم لا هو يقوم بدعوة، ولا بتعلم دين، ولا حتى يحرك شفتيه بدعوة إلى الله لإنقاذ أولئك المساكين، أين الصدق في الانتماء للدين؟ أين الصدق في الانتساب إلى الإسلام؟ نسأل الله أن يغفر لنا ما فرطنا وأن يتجاوز عنا إسرافنا في أمرنا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا يا غفور رحيم، وكفر عنا سيئاتنا يا أكرم الأكرمين. اللهم إن نسألك الغوث العاجل لإخواننا المستضعفين، اللهم أغثهم يا أرحم الراحمين، عجل فرجهم وأنزل نصرك عليهم، وأغثهم ببركات من عندك، اللهم اشف جرحاهم، اللهم ارحم موتاهم، وأطعم جائعهم، واكس عاريهم، واحمل حافيهم، آمنهم في أوطانهم وفي دورهم، وادفع عنهم كيد عدوهم. اللهم شتت شمل الصرب واليهود وسائر النصارى ومن مالأ على ذبح المسلمين يا رب العالمين. اللهم اجعل بأسهم بينهم واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم. اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً، اللهم دمرهم تدميراً، وزلزل الأرض من تحت أقدامهم، وأنزل عليهم عذاباً من فوقهم، أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم إنا نسألك في هذا اليوم العظيم في هذه الساعة المباركة أن تعجل بنصر إخواننا وأن تعجل بتدمير أعدائهم، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، اللهم اجعلنا في بلدنا هذا آمنين مطمئنين. اللهم اجعلنا سلماً لأوليائك حرباً على أعدائك، اللهم أصلحنا وأصلح أهلينا وذرياتنا، وأصلح بيوتنا ومجتمعاتنا ومجتمعات المسلمين. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون


    تمت بحمد الله المحاضرة الاولى ويليها الثانية بعون الله





    رد مع اقتباس  

  5. #5 المحاضرة الثانية 
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    المحاضرةالثانية
    جوانب القدوة في حياة احمد بن حنبل للشيخ المنجد

    جوانب القدوة في شخصية الإمام أحمد

    دراسة سير العلماء والأئمة مدعاة إلى الاطمئنان، لأن الله سبحانه يقيض لهذا الدين من ينصره، وهي كذلك مهمة نظراً لحاجة النشء والشباب إلى القدوة، التي لا توجد إلا عند أولئك العمالقة، أمثال الإمام أحمد بن حنبل، الذي تميز بصموده وبذل جهده، وصبره وزهده، ونصرته للحق. وهذه المادة محاولة جادة لاستكشاف جوانب القدوة في شخصية هذا الإمام وحياته، في طلبه للعلم ومواجهة الباطل والطغيان، وفي تعامله مع أصناف الناس، وأصناف المغريات والفتن، كما أوردت هذه المادة نبذة عن نسبه وحياته ونشأته ووفاته.

    نسب الإمام وعناية العلماء بتدوين حياته




    الحمد لله الذي جمعنا وإياكم في هذا المكان؛ في بيت من بيوته عز وجل، نسأله سبحانه وتعالى أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوما، وأن يجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوما، وألا يجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروما، وأن يجعل خروجنا من هذا المجلس بفوائد جمة، وأشياء تذكرنا بالله عز وجل واليوم الآخر. أيها الإخوة: موضوعنا في هذه الليلة يدور حول جوانب من حياة الإمام أحمد رحمه الله عز وجل، الذي كانت حياته بما فيها من أحداث وتفاصيل تصلح أن يجعلها المسلم قدوة يقتدي بها في كثير من جوانبها، ولعلنا نستعرض وإياكم في هذه الليلة بعض الجوانب التي يسمح الوقت بها، والتي سيلمح الأخ المستمع فيها فعلاً أشياء عظيمة من حياة هذا الإمام. وهذا الإمام أيها الإخوة صحيح أن شهرته قد طبقت الآفاق، وأن الكثيرين من الناس يعرفون شخصيته، ولكن كثيراً من الناس لا يعرفون تفاصيل حياته، ولا يعرفون أحداثاً كثيرة جداً من حياة الإمام أحمد لو عرفها الإنسان فعلاً لدهش، يعني: بعض الناس الشهرة العامة موجودة لكن التفاصيل غير موجودة، لعل الإمام أحمد واحد من هؤلاء الناس. وقد اعتنى علماء الإسلام بحياة الإمام أحمد عناية كبيرة، وألفت في حياته مجلدات، فمنها ما كتبه ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية ، ومنها ما كتبه الذهبي رحمه الله في كتابه السير ، وفي كتابه تأريخ الإسلام ، ومنها ما كتبه ابن الجوزي في مجلد مستقل عن حياة الإمام أحمد رحمه الله، وغيرهم من أهل العلم، دلالة على عظمة مكانة هذا الرجل في قلوب العلماء فضلاً عن قلوب عامة الناس. وقال الذهبي رحمه الله في السير : هو الإمام حقاً وشيخ الإسلام صدقاً أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن إدريس الشيباني ، يرجع نسبه إلى بكر بن وائل قبيلة معروفة من العرب، وقد مات أبوه في سن الشباب، وربي الإمام أحمد يتيماً، وقد ولد الإمام رحمه الله تعالى في ربيع الأول سنة (164هـ) وقد ضبطت سنة وفاة الإمام أحمد وسنة ولادته ولم يختلف فيهما أحد. والإمام أحمد رحمه الله من رجال السنة، وينبغي أن ننبه قبل أن نبدأ إلى كلمة الإمام. كلمة الإمام كلمة عظيمة وكبيرة، ولذلك لا يصلح أن تطلق على أي واحد من الناس، ولو ارتفع كعبه في العلم أو الدعوة إلا إذا وصل إلى مرحلة عظيمة أصبح فيها فعلاً يأتم به العالم من المسلمين، يأتمون به عن صدق وحق؛ لأنه يصلح أن يكون أهلاً للإمامة، ولذلك ما أطلق هذا اللقب على كثيرين من السلف إلا على أنفار معدودين مثل الإمام أحمد رحمه الله، فهذا اللقب لا يُعطى جزافاً، ولا يصلح أن يطلق جزافاً على أي شخصية من الشخصيات النابغة المشهورة. وقد رحل الإمام أحمد رحمه الله إلى البصرة و الكوفة وحج خمس مرات، وكان شيخاً مخضوباً طوالاً أسمر، حسن الوجه معتماً، عامة جلوسه متربعاً خاشعاً.





    رد مع اقتباس  

  6. #6  
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    صور من ثناء العلماء على الإمام




    يقول إبراهيم الحربي رحمه الله: يقول الناس أحمد بن حنبل بالتوهم، والله ما أجد لأحد من التابعين عليه مزية، ولا أعرف أحداً يقدر قدره، ولقد صحبته عشرين سنة صيفاً وشتاءً، وحراً وبرداً، وليلاً ونهاراً، فما لقيته لقاة في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس. هذا شيء عظيم، وهذه فعلاً قدوة عظيمة أن الإمام أحمد رحمه الله كان يزيد يومياً على ما هو عليه، والواحد منا الآن قد يزيد في يوم وينقص في أيام، وقد يرتفع في أيام ويتدهور حاله في أيام أخرى، ولكن أن تجد الرجل يزيد يوماً بعد يوم معنى هذا أن الرجل يربي نفسه تربية عظيمة، ولذلك ينبغي أن يضع الواحد منا نفسه تحت المجهر، وأن يضع لنفسه خطة معينة بحيث أنه يرتقي يومياً إذا استطاع وقد لا يستطيع، لكن يحاول أن يكون خط سيره إلى الأعلى، وليس أن يتدهور ويتقلب ويتذبذب كما هو واقع الكثيرين، وهذا شيء فعلاً قدوة أن الإمام أحمد يومياً يزيد عن الأيام السابقة. وقال علي بن المديني رحمه الله: إن الله عز وجل أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث: بأبي بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة، وقد كان لأبي بكر الصديق أصحاب وأعوان، وأحمد ليس له أعوان ولا أصحاب. لما وقعت المحنة ما وقف إلى النهاية إلا الإمام أحمد رحمه الله فقط، هناك من وقفوا وقتلوا، ومن وقفوا ثم انتكسوا، وهناك من تخاذلوا أصلاً عن الوقوف، وهناك من تراجعوا وغيروا عقيدتهم، والذي ثبت إلى النهاية هو الإمام أحمد فقط في محنة خلق القرآن، قال الشاعر:
    أضحى ابن حنبل محنة مرضية وبحب أحمد يعرف المتنسك

    وإذا رأيت لأحمد متنقصاً فاعلم بأن ستوره ستهتك
    وعن الحسين الكرابيسي قال: مثل الذين يذكرون أحمد بن حنبل -يعني بسوء- مثل قوم يجيئون إلى أبي قبيس -وهو جبل في مكة- يريدون أن يهدموه بنعالهم. وكان أحمد رحمه الله عظيم الشأن، رأساً في الحديث وفي الفقه وفي التألف، أثنى عليه خلق من خصومه فما الظن بإخوانه وأقرانه، وكان مهيباً في ذات الله حتى قال أبو عبيد : ما هبت أحداً في مسألة ما هبت أحمد بن حنبل. حتى إذا جاء يسأله يهاب، يخاف، ألقى الله عليه هيبة الإسلام. وعن علي بن شعيب قال: لولا أن أحمد قام بهذا الشأن لكان عاراً علينا أن قوماً سبكوا فلم يخرج منهم أحد. يعني: حتى موقف الإمام أحمد رحمه الله رفع رأس العلماء كلهم، الحمد لله أنه خرج منا واحد. وقال أبو عبيد عن الإمام أحمد : ذاك رجل من عمال الله، نشر الله رداء عمله، وذخر له عنده الزلفى، أما تراه محبوباً مألوفاً، ما رأت عيني بـالعراق رجلاً اجتمعت فيه خصال هي فيه، فبارك الله له فيما أعطاه من الحلم والعلم والفهم. وقال آخر: قام أحمد مقام الأنبياء، وأحمد امتحن بالسراء والضراء، وتداولته أربعة خلفاء، بعضهم بالضراء وبعضهم بالسراء، كلهم بلاء على الإمام أحمد ، ولكن طبعاً المأمون والمعتصم والواثق هم الذين عاملوه بالضراء، أما المتوكل الذي رفع الله به علم أهل السنة ورجع إلى عقيدة أهل السنة، فقد ابتلي الإمام أحمد في عهده بالسراء؛ لما أنعم عليه المتوكل به من الأموال الجزيلة التي رفضها كلها ولم يأخذ منها شيئاً. وقال بعض السلف: أحمد بن حنبل قرة عين الإسلام. وسئل أحد العلماء عن الإمام أحمد فقال: أنا أسأل عن أحمد بن حنبل !! إن أحمد أدخل الكير فخرج ذهباً أحمر. وقال إسحاق بن راهويه : ما رأى الشافعي مثل أحمد ، ولولا أحمد وبذل نفسه لذهب الإسلام. يريد المحنة. وقال الشافعي : خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل . هذه شهادة الشافعي. وعن المروذي قال: لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد؛ كان مائلاً إليهم، مقصراً عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع تعلوه السكينة والوقار، وإذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يُسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر، وكان كثير التواضع حسن الخلق، دائم البشر لين الجانب ليس بفظ، وإذا كان في أمر من الدين وتعرض للدين بحضرة الإمام أحمد كان يغضب في ذات الله عز وجل غضباً شديداً، وكان يحتمل أذى الجيران، وكان يجيب الدعوة في الأعراس والختان ويأكل، وربما استعفى من إجابة الدعوة، وكان إذا رأى إناءً من فضة أو منكراً في الوليمة خرج. ومرة من المرات واحد من الناس كان عنده وليمة ختان، فدعى أهل العلم فدعى منهم الإمام أحمد ، فجاء الإمام أحمد متأخراً مع صاحبٍ له والناس قد اجتمعوا للطعام، ولما يأكلوا بعد، فقيل للإمام أحمد: إن في البيت آنية من فضة، فنظر إليها، فلما رآها خرج من المنزل، فخرج الضيوف كلهم وراءه، ما بقي في البيت أحد، قال الراوي: ونزل بصاحب البيت أمر عظيم، وأرسل وراء الإمام أحمد يحلف له أنه لم يقصد، وأنه لم يكن يعلم، فلم يرد عليه الإمام أحمد بشيء، يعني: كان الإمام أحمد من القدوة بحيث يتابعه عامة الناس، ولذلك سنعلم عند وفاته ماذا حصل، وفاة الإمام أحمد تبين فعلاً مكانته بين الناس. وقال إسحاق بن إبراهيم : ما رأيت أحداً لم يداخل السلطان ولا خالط الملوك مثل أحمد بن حنبل ، ما كان أحد أثبت قلباً منه وما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب. وكانت وفاة الإمام أحمد في (12) ربيع الأول، في يوم الجمعة، (سنة:254هـ) فرحمه الله عز وجل. وبالنسبة لجوانب تهم طالب العلم والداعية إلى الله والمسلم عموماً في حياة الإمام أحمد فنحن نعرض لبعضها





    رد مع اقتباس  

  7. #7  
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    طلب العلم في حياة الإمام




    أما بالنسبة لطلب العلم الذي يدعيه الكثيرون اليوم، ويذهبون إلى المكتبات ومعارض الكتب ويشترون كتباً بالأكوام، ثم يكدسونها في بيوتهم، ويضعونها في رفوف مكتباتهم يعلوها الغبار، أو يخزنوها في كراتين تبقى عندهم لا يفتحونها يزعمون أنهم طلبة علم، إلى هؤلاء نسوق لهم هذه الأحداث: بالمناسبة الإمام أحمد ما كان يتكلم عن نفسه بقليل ولا كثير، لذلك ما رويت لنا أخباره إلا من الناس المقربين إليه جداً مثل أولاده، وخاصة تلاميذه، وبقية الأخبار شائعة عند الناس معروفة من حال الإمام، وما وصل إلى الناس من أخباره في المحنة وعند وفاته وغير ذلك. قال عبد الله : سمعت أبي يقول: ربما أردت البكور في الحديث -يعني أذهب مبكراً في طلب العلم- فتأخذ أمي بثوبي وتقول: حتى يؤذن المؤذن، وكنت ربما بكرت إلى مجلس أبي بكر بن عياش. سبحان الله! كان يخرج قبل صلاة الفجر، تقول له أمه: لا، اجلس حتى يؤذن المؤذن!! ومرة نزل في بيت رجل وأمه موجودة في الدار -أم الرجل- فذهب أحمد يطلب الحديث، فجاء سارق فسرق أمتعة البيت ومن بينها أمتعة الإمام أحمد ، فلما رجع إلى البيت قالت المرأة: دخل عليك السراق فسرقوا قماشك، فقال: ما فعلت الألواح؟ فقالت له: في الطاق، وما سأل عن شيء غيرها، ما سأل إلا عن الألواح التي كتب فيها العلم. وقال أحمد : كتبت عن ابن مهدي نحو عشرة آلاف حديث. وعن عبد الله بن أحمد قال: قال لي أبي: خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع من المصنف، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك أنا بالكلام. يعني: أعطني الإسناد أعطيك الكلام، أو أعطني الكلام أعطيك الإسناد؛ من حفظه للأحاديث التي كان يكتبها. وقال أبو زرعة لعبد الله ( ولد الإمام أحمد ): أبوك يحفظ ألف ألف حديث -يعني: مليون حديث- فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب فعرفت أنه يحفظ هذه الأحاديث. قد يقول قائل مستغرباً: وهل هناك مليون حديث في الدنيا فعلاً؟!! فقال الذهبي رحمه الله معلقاً: فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله ، وكانوا يعدون في ذلك المكرر والأثر، وفتوى التابعي، وما فسر، ونحو ذلك -هذه داخلة في المليون- وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك، المرفوعة القوية تكاد تبلغ عشرة آلاف حديث. وعن أبي زرعة قال: حزرت كتب أحمد يوم مات فبلغت اثني عشر حملاً وعدلاً ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان، ولا في بطنه حدثنا فلان، كل ذلك كان يحفظه.



    المواصلة في طلب العلم



    وأما بالنسبة لمواصلته في طلب العلم، فآفة بعض طلبة العلم الآن أنه ربما يشتغل في الطلب فترة من وقته، وبعد زمن يتكاسل ويقعد عن الطلب ويقول: يكفيني ما حصلت في الأيام أو السنوات الماضية، ولكن الإمام أحمد رحمه الله رآه رجلٌ ومع الإمام أحمد محبرة، فقال له: يا أبا عبد الله ! أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين -يعني: أنت تحمل المحبرة، وأنت بلغت هذا المبلغ- فقال الإمام أحمد : مع المحبرة إلى المقبرة. يعني: لا أزال أكتب وأطلب وأدون حتى أموت، فالاشتغال بالعلم إذاً ليس فترة محدودة من الزمن، وإنما هي حياة متواصلة ومستمرة.



    أعلى الصفحة



    تضحية الإمام في طلب العلم



    وقال المروذي : قلت لأحمد : أكان أغمي عليك أو غشي عليك عند ابن عيينة ؟ قال: نعم، في دهليزه زحمني الناس فأغمي عليَّ. يعني: تكاثر الناس عند سفيان بن عيينة وأحمد منهم في الزحام وليس المقصود بالمزاحمة أن يضرب بعضهم بعضاً، المزاحمة تعني الإقبال بكثرة، بعض الناس قد يرى حول العالم زحاماً فيقول: كيف نسأله ثم يذهب، ما عنده صبر، بعض الناس يصبرون حتى يصل العالم ليسأل، الإمام أحمد رحمه الله أغمي عليه في الزحام، وهو ينتظر كيف يدخل على سفيان. وقال أحمد الدورقي : لما قدم أحمد بن حنبل من عند عبد الرزاق -الإمام أحمد رحمه الله رحل إلى عبد الرزاق في اليمن - رأيت به شحوباً بـمكة ، وقد تبين به النصب والتعب، فكلمته -يعني كأنه قال له: أتعبت نفسك في ذهابك إلى اليمن - فقال أحمد : هين فيما استفدناه من عبد الرزاق. أي: هذا شيء يهون في سبيل الفائدة التي حصلناها من عبد الرزاق





    رد مع اقتباس  

  8. #8  
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    شمول علم الإمام



    قال أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله: ومن عجيب ما تسمعه من هؤلاء الأحداث الجهال أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه لكنه محدث -هذه فرية اتهمه بعض الناس بها، قالوا: هذا أحمد يجمع أحاديث، وليس بفقيه- فيقول أبو الوفاء : وهذا غاية الجهل؛ لأنه قد خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناءً لا يعرفه أكثرهم. يعني: الفقه يأتي من أين؟ أليس من الأحاديث والآيات؟! فقال: عند أحمد اختيارات، وآراء فقهية بناها على أحاديث جمعها ما وصلت إلى كثير من هؤلاء. وخرج عنه اختيارات من دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد منهم. وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله طائفة من عمق أو دقائق فقه الإمام أحمد رحمه الله. هل كان الإمام أحمد رجلاً يحفظ العلم ثم يتلوه على الناس تلاوة، أو أنه كان أكبر من ذلك؟ مشكلة طلبة العلم، أو بعض أهل العلم في هذه الأيام، أن وظيفته فقط مقتصرة على الحلق، وعلى التعليم، وسرد الأحاديث أو سرد أقوال العلماء وسرد الآراء فقط، يعني: وظيفته فقط كأنه مسجل يتكلم، وبقية من بقي من أهل العلم ليست مهمته فقط سرد العلم على الناس، لا. عن الحسين بن إسماعيل عن أبيه قال: كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيدون، نحو خمس مائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت. فإذاً هذا هو التكامل المطلوب في صاحب العلم ليس فقط أن يعلم، وإنما يكون قدوة يأخذ الناس من أخلاقه، ومن سيرته، ومن مواقفه، ومن ورعه، ومن زهده، ومن عبادته، وتقواه، وخشوعه لله عز وجل، وهذه خصلة نفتقدها كثيراً في حلق العلم، أنك تجد الواحد يسرد عليك، لكن شخصيته في بيته مع أهله، أو في العمل الذي يعمل فيه مختلفة تماماً.



    أعلى الصفحة


    صور من تواضع الإمام وعدم تطلعه إلى ما مع الناس




    وأما تواضعه فكان شيئاً عجيباً، قال يحيى بن معين : ما رأيت مثل أحمد صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الخير أبداً. وقال عبد الله : كان أبي إذا خرج يوم الجمعة لا يدع أحداً يتبعه. والمشهور أن العالم إذا ذهب إلى مكان سار الناس وراءه، لكن أحمد رحمه الله من تواضعه كان لا يرضى أن يسير وراءه أحد. وربما وقف حتى ينصرف الذي يتبعه. يعني: لو رأى واحداً يتبعه، أو أحس به، فإنه يقف حتى يمضي ذلك الرجل، ثم يمشي بعده، لأن قضية الاتباع تؤثر في نفس المتبوع، ولذلك يقول ابن مسعود رحمه الله ورضي عنه وأرضاه لطائفة من الناس كانوا يتبعونه: [ارجعوا فإنها ذلة للتابع وفتنة للمتبوع]. وكان أيضاً غنياً عما في أيدي الناس، لما خرج إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من بعض الجمالين؛ يشتغل عند أصحاب الجمال الذين ينقلون حتى يحصل نقوداً، إلى أن وصل صنعاء وعرض عليه أصحابه المواساة فلم يأخذ منهم شيئاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان قال: بلغني أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز بـاليمن. يقول إسحاق بن راهويه زميله في الرحلة: كنت مع أحمد عند عبد الرزاق ، وكانت معي جارية وسكنا في الأعلى، وأحمد أسفل البيت، قال: وكنت أطلع فأراه يعمل التكك -وهي الأشياء التي تربط الأزار أو السراويل حتى لا تقع، يعملها ويبيعها ليتقوى بها- ولما وصل إلى عبد الرزاق اطلع على فقر الإمام أحمد ، فدمعت عيناه، فقال: بلغني أن نفقته نفذت، فأخذت بيده، فأقمته خلف الباب وما معنا أحد، فقلت له: إنه لا تجتمع عندنا الدنانير إذا بعنا الغلة أشغلناها في شيء، وقد وجدت عند النساء عشرة دنانير فخذها، وأرجو ألا تنفقها حتى يتهيأ شيء -يعني: لعلك ما تصرفها حتى يأتينا شيء آخر نعوضك إذا صرفتها- فقال لي: يا أبا بكر! لو قبلت من أحدٍ شيئاً قبلت منك -يعني: انظر إلى لطافة الرد، كيف يرد، يقول: لا أريد، لكن قال: لو قبلت من أحد شيئاً قبلت منك. وكان ربما أخذ القدوم وخرج يعمل بيده ويبيع. وقال صالح ولده: ربما رأيت أبي يأخذ الكسر ينفض الغبار عنها ويصيرها في قصعة ويصب عليها الماء، ثم يأكلها بالملح، وما رأيته اشترى رماناً ولا سفرجلاً ولا فاكهة، إلا أن تكون بطيخة فيأكلها بخبز وعنب وتمر، وقال لي: كانت والدتك في الظلام تغزل غزلاً دقيقاً فتبيع الأستار بدرهمين أو أقل أو أكثر، فكان ذلك قوتنا. وقضية الاستغناء الآن ليست حاصلة عند الكثيرين، بل إن كثيراً من النفوس اليوم تتطلع وتتشوق إلى ما في أيدي الناس، وصحيح أن عصرنا يختلف عن عصر أولئك الناس في متطلبات المعيشة، ولذلك لا بأس أن يحرص الإنسان على الكسب، وأن يحرص على المعاش، وإذا كان به طاقة على الصبر على حالات الشدة قد يكون الأفضل الصبر، لكن قد لا يكون للإنسان صبر وقد تكون تعقيدات الحياة كثيرة، والاهتمام بالكسب الشخصي مهم، ولذلك يقول ابن المبارك رحمه الله وكان يشتغل في التجارة فسئل عن سبب اشتغاله، فقال: حتى لا يتمندل بنا هؤلاء. يقصد لو أن الإنسان احتاج وما عنده ولا يصبر فلا بد أن يلجأ إلى غيره، فقد يستغل حاجته بعض السفهاء، وخصوصاً إذا كان يشتغل في وظيفة من الوظائف فيصبح كأنه عبد ذليل للشخص الذي يعمل عنده، أو أنه عبد ذليل ينتظر ماذا يعطى من الراتب مثلاً، ويخشى أن يقطع عنه الراتب، ولذلك التحرر في كسب العيش أمر مهم، وكلما استطعت أن تتحرر ولا ترتبط بالآخرين في كسب العيش، حتى أن الآخرين يحتاجون إليك لا أنت تحتاج إليهم فهذا أحسن، ولكن هذا الوضع صعب الآن، وليس كل الناس يستطيعون الاشتغال بالتجارة، بل قسم كبير منهم في الوظائف، لكن حاول قدر الإمكان حتى لا يتمندل بك أهل السوء، وإذا تمندل بك أهل السوء فإنهم لا بد أن يفرضوا عليك أشياء فيها تنازل عن دينك، أو مواقف مخزية قد تقفها مضطراً لأنك محتاج إلى المال، وكثير من الناس وقعوا في مواقف مخزية بسبب الحاجة.



    عظمة أدب الإمام



    وأما أدبه رحمه الله مع الناس فقد كان عظيماً، قال حنبل: رأيت أبا عبد الله إذا أراد القيام قال لجلسائه: إذا شئتم. يعني: مع أنه الآن هو الشيخ وهو العالم، لكن إذا أراد أن يقوم قال لجلسائه من التلاميذ: إذا شئتم تسمحوا لي فأمشي. وقال الميموني : كثيراً ما كنت أسأل أبا عبد الله عن الشيء، فيقول: لبيك لبيك. لبيك يعني: المسارعة في الاستجابة للسؤال، مع أن ذلك السائل هو المحتاج، ولكن الإمام أحمد هو الذي يقول: لبيك لبيك، كأنه خادم مطيع عند ذلك السائل





    رد مع اقتباس  

  9. #9  
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    محبة الإمام لخمول ذكره




    وكان رحمه الله يحب الخمول جداً. والخمول ليس الكسل، وإنما خمول الذكر، أي: لا يحب أن يشتهر بين الناس، وأن يتناقل الناس ذكره أبداً، وكانت مواقفه شديدة من هذا، مع كثرة الإنجازات التي قدمها لهذا الدين. قال المروذي: رأيت طبيباً خرج من عند أحمد ومعه راهب -راهب نصراني- فقال: إنه سألني أن يجيء معي ليرى أبا عبد الله -انظر بلغت منزلة الإمام أحمد أن النصارى تشوقوا لرؤيته- وقال: وأدخلت نصرانياً على أبي عبد الله فقال له النصراني: إني لأشتهي أن أراك منذ سنين، ليس بقاؤك صلاحاً للمسلمين وحدهم بل للخلق أجمعين، وليس من أصحابنا أحدٌ إلا وقد رضي بك، فقلت لـأبي عبد الله : إني لأرجو أن يكون يدعا لك في جميع الأمصار، فقال: يا أبا بكر إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس. انظر! سبحان الله العظيم! يقول: إذا كنت أعرف قدر نفسي فماذا ينفعني كلام الناس وأنهم يدعون لي ويذكروني، وأنا أعرف نفسي أني لست بهذه المنزلة؟! وهو أعلى من هذه المنزلة. وقال عباس الدوري : حدثنا علي بن أبي فزارة جارنا قال: كانت أمي مقعدة نحو عشرين سنة، فقالت لي يوماً: اذهب إلى أحمد بن حنبل فسله أن يدعو لي، فأتيت فدققت عليه وهو في دهليزه، فقال: من هذا؟ قلت: رجل سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء، فسمعت كلامه كلام رجل مغضب، فقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا، فوليت منصرفاً، فخرجت عجوزٌ فقالت: قد تركته يدعو لها -رأته ذهب غاضباً، فقالت: قد تركته يدعو لها- انظر الآن واحد يقول للناس ويعلمهم يقول لهم هذا ولكنه في نفس الوقت يدعو لها (من استطاع أن ينفع أخاه بشيء فلينفعه) بدعاء، برقية، فجئت إلى بيتنا ودققت الباب، فخرجت أمي على رجليها تمشي!! استقبلته!! وبالمناسبة فإنه يجب أن نكون حذرين في الروايات، فنحن لا نريد أن نرفع الناس فوق المنزلة التي أنزلهم الله إياها، ونبالغ، والمبالغة خطيرة جداً؛ لأنها تفقد واقعية الشيء، خصوصاً من الناس المفكرين، إذا أنت الآن جلست تسرد على الناس أحاديث ضعيفة مقتوك، لذلك الحافظ الذهبي رحمه الله كان ينقد الروايات مثلاً في رواية تقول: لما مات الإمام أحمد أسلم يوم موته من اليهود والنصارى عشرون ألفاً. لما تقول هذا الكلام قد يقول الناس: يا الله! إعجاباً، لكن الإمام الذهبي رحمه الله يقول: وهذه الحادثة لا يمكن أن تكون قد وقعت، ولم يروها إلا شخص واحد، ولو كانت وقعت لتوافرت الهمم والدواعي على نقلها، فلما لم ينقلها إلا واحد شككنا في صحتها، مع إعجاب الذهبي الشديد بالإمام أحمد ، فأنا أنبه أثناء العرض هنا أن ليس المقصود أن نأتي بأشياء نهول فيها ونضخم ونكذب، ولكن الأشياء التي أتى بها النقاد فأقروها وسكتوا عليها ولم يتعقبوها تذكر، والإمام أحمد لا يستبعد منه أبداً أن يحصل هذه الكرامة، لا يستبعد أبداً أن يكون مجاب الدعوة وحياته هذه الحياة. وقال المروذي : قلت لـأبي عبد الله : ما أكثر الداعي لك، ما أكثر الناس الذين يدعون لك، قال: أخاف أن يكون هذا استدراجاً. وقلت له: قدم رجل من طرسوس فقال: كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليل رفعوا أصواتهم بالدعاء، وكنا نمد المنجنيق ونرمي به عن أبي عبد الله -يعني: لا ينسون من محبة الناس للإمام أحمد ، حتى المجاهدين يرمون المنجنيق ثم يقولون: هذه رمية عن الإمام أحمد - ولقد رمي عنه بحجر والعلج على الحصن متترس بدرقة فلما رموا الحجر فذهب برأسه وبالدرقة، قال: فتغير وجه أبي عبد الله وقال: ليته لا يكون استدراجاً. أي: ليت هذا لا يكون استدراجاً حتى أنا أغتر من هذا الكلام وأخرج عن التقوى. وعن عبد الله بن أحمد قال: حدثنا أبي وذكر عنده الشافعي رحمه الله فقال: ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه. أحمد يقول عن الشافعي : ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه، نحن استفدنا منه أكثر، ومع ذلك عبد الله ولد الإمام أحمد يقول: كل شيء في كتاب الشافعي حدثنا الثقة فهو عن أبي. هذه قضية مهمة في كتاب الشافعي . الشافعي له مسند إذا قال: حدثنا الثقة -يعني أحمد بن حنبل - ما استعمل لفظ الثقة بدون اسم إلا للإمام أحمد . وقال المروذي : وذكر لأحمد أن رجلاً يريد لقاءه، فقال: أليس قد ذكره بعضهم أليس اللقاء شيء بغيض يتزين لي وأتزين له؟ وقال: لقد استرحت ما جاءني الفرج إلا منذ حلفت ألا أحدث، وليتنا نترك، فقلت له: إن فلاناً قال: لم يزهد أبو عبد الله في الدراهم وحدها وإنما زهد في الناس أيضاً، قال: ومن أنا حتى أزهد في الناس؟ الناس يريدون أن يزهدوا فيَّ.



    هروب الإمام من الشهرة



    وقال: أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أعرف، قد بليت بالشهرة، إني أتمنى الموت صباحاً ومساء. انظر الإمام أحمد يقول: بليت بالشهرة على أساس، والآن بعض الناس ابتلوا بالشهرة على غير أساس، فعلاً، الآن بعض الناس تسلط عليهم الأضواء، وقد يفتون في الصحف وفي الجرائد وفي المجلات، تطلع أصواتهم أنهم على شيء من الدين، وأنهم من أهل الفتوى، ويتصدرون ولكن على غير أساس، فهذا الإمام أحمد يقول: ابتلينا بالشهرة، ويعتبر أن هذا ابتلاء من الله، وهو الرجل الذي يستحق أن يشتهر، فكيف ببعض الناس اليوم الذين ابتلوا بالشهرة على غير أساس. والشهرة مشكلة؛ لأنها تعدم الإخلاص إعداماً، فإنك: عندما ترى الناس يسيرون بذكر فلان وقصة فلان، وبعضهم يؤلفون القصص لرفعه، فيقولون مثلاً: فلان يحفظ كذا وكذا، فلان تتلمذ على يد فلان وفلان من العلماء، هو إذا سمع بذلك قد يسر ولا ينفي مع أن هذا كذب ويشتهر، ولكن هؤلاء سرعان ما يأفل نجمهم سريعاً، ولكن لا يبقى على مر العصور وعلى مر الأزمان إلا الناس الذين اشتهروا فعلاً على أساس من تقوى الله ورضوانه. الواحد قد يضيق ذرعاً ببعض الأسماء اللامعة في الأفق وهي على غير شيء، ويقول: إنهم يذكرون صباحاً ومساء، ولكن يا أخي تخيل بعد مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة كيف يكون؟ اقرأ التاريخ، بعض الناس في وقت من الأوقات كانوا مشهورين جداً لكن بعد ذلك طوى الدهر صفحاتهم بعض الناس تقال لهم عبارات المديح ويسكتون وهم لا يستحقونها، الإمام يقال له عبارات الثناء وهو يستحق أكثر منها وكان لا يسكت، يقتدي به الإنسان، فيعرف إذا أثني عليه ماذا يقول، وكيف يكون موقفه، بل إن الواحد ليستحقر نفسه وهو لم يبلغ مبلغ شيء في الدين ويثنى عليه، ومن هو بجانب الإمام أحمد؟ وهذه فائدة تربوية مهمة، فمن أخطر الأشياء أن تثني على شخص في وجهه، حتى لو كان رجل دين تقياً وورعاً، إذا أثنيت عليه في وجهه فكأنك قطعت عنقه، ولذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن المدح في الوجه، وقد تفسد نيته وإخلاصه بمدحك له، ولذلك يا أخي وفر مدحك قليلاً، وفر الثناء قليلاً، اثن عليه إذا كان من أهل الخير لكن ليس في وجهه، وكثير من الناس وصلوا إلى الغرور ووقعوا في الهاوية، لأنه يثنى عليه في وجهه، فيصيبه الغرور ويدخله الكبر، ويقول: أنا أذكر، وأنا شأني مشهور، وأنا يعرفني فلان وفلان، وأنا كلماتي وصلت إلى تلك الأنحاء، فلذلك احذر من الثناء على واحد في وجهه. وقال الخلال : أخبرنا علي بن عبد الصمد الطيالسي قال: مسحت يدي على أحمد بن حنبل وهو ينظر فغضب وجعل ينفض يده ويقول: عمن أخذتم هذا؟ أي: ممن تعلمتم هذه التصرفات؟ وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله ذكر أخلاق الورعين، فقال: نسأل الله ألا يمقتنا أين نحن من هؤلاء؟! والإمام أحمد من أورعهم. وقال المروذي : أدخلت إبراهيم الحصري على أبي عبد الله ، وكان رجلاً صالحاً، فقال: إن أمي رأت لك مناماً وهو كذا وكذا وذكرت الجنة. يقول: أمي رأت لك مناماً يا أحمد في أشياء وذكرت الجنة، فقال: يا أخي إن سهل بن سلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا فخرج إلى سفك الدماء، كان الناس يخبرونه بمثل هذا فصار أمره إلى أن سفك الدماء. الرؤيا تسر المؤمن ولكن لا تغره





    رد مع اقتباس  

  10. #10  
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    عفو الإمام عمن ظلموه




    وقال ابن أبي حاتم ، هذا الإمام أحمد رحمه الله كان من الأشياء التي اشتهر بها أن يعفو عمن ظلمه، والذين ظلموا الإمام أحمد كثيرون جداً، وظلمهم ليس بالسهل، وكان ممن ظلمه المعتصم، حتى أنه كان يأتي بالجلاد والإمام أحمد ممدود على الأرض قد علق، ويقول للجلاد: اضرب، ثم يقول: شد قطع الله يدك، يقول للجلاد، فيضربه سوطين بقوة، ثم يأتي الذي بعده يقف الجلادون صفاً يضربون الإمام أحمد ، قال أحدهم: لقد ضربت أحمد ثمانين سوطاً لو ضربتها فيلاً لهدته. الإمام أحمد رحمه الله مع كل هذا الظلم، قال ابن أبي حاتم : بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حلٍ يوم فتح عاصمة بابك وظفر به أو في فتح عمورية . لأن من حسنات المعتصم أنه فتح عمورية ، فلما فتح عمورية عفا عنه الإمام أحمد ، ولما أمسك بـبابك ، وهذا بابك زعيم الخرمية طائفة من الملاحدة وكان لهم عاصمة وصارت لهم شوكة، لما قاتلهم المعتصم وظفر بهم قال الإمام أحمد : هو في حل من ضربي. مع أنكم ستسمعون بعد قليل كيف ضربه. وقال ابن جماعة : سمعته يقول؛ الإمام أحمد : كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعاً -المبتدع لا أحله- حتى يرجع من البدعة. وقال: وقد جعلت أبا إسحاق المعتصم في حلٍ ورأيت الله يقول: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22] وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم يوم القيامة بسببك؟! والناس اليوم حتى من طلبة العلم وبعض الدعاة قد يظلمون، وقد يساء إليهم جداً، ولكنهم قد يحملون في أنفسهم حقداً وغلاً، يحملون في أنفسهم أقل شيء سخطاً على من ظلمهم، ولكن المقتدي المتأسي بالإمام أحمد رحمه الله يرى العفو عن الظالم إذا رجع عن ظلمه للناس وعن بدعته، والعفو عند المقدرة من الأشياء التي تؤثر في الظالم جداً، وتجعله في صفوف الصلحاء، وكثيرٌ من الناس الذين عفا عنهم الإمام أحمد قد تحسنت أحوالهم جداً. وقد كان الإمام أحمد رحمه الله ورعاً غاية الورع، ما أحوجنا إلى الورع في هذا العصر الذي كثرت فيه الشبهات، في الأموال والرواتب، وكثير من الوظائف، وكثير من المدخولات، كثر فيها الحرام وكثرت فيها الشبه، والمأكولات كثرت فيها كثيراً. قال بعضهم: لقد حضرت من ورعه شيئاً بـمكة أنه أرهن سطلاً عند فامي -بائع الثوم- فأخذ منه شيئاً ليقوته -أعطاه السطل رهناً وطلب شيئاً ليأكله - فجاء يوماً من الأيام فأعطاه فكاكه، فأخرج إليه الفامي سطلين فقال: انظر أيهما سطلك؟ فقال الإمام أحمد : لا أدري، ثم إن الإمام أحمد قال: أنت في حل منه -لأنه يخشى لو أخذ واحداً منهما ألا يكون سطله- وما أعطيتك الآن من المال فكاك السطل هو لك، قال الفامي: والله إنه لسطله وإنما أردت أن أمتحنه فيه، ولكن مع ذلك لما أخبره رفض الإمام أحمد أن يأخذه. وقال: قال أحمد بن محمد الدستوري : ذكروا أن أحمد بن حنبل أتى عليه ثلاثة أيام ما طعم فيها، فبعث إلى صديق له فاقترض منه دقيقاً فجهزوه بسرعة، لاحظ الإمام أحمد أن الخبز جهز بسرعة فقال: كيف ذا؟ قالوا: تنور صالح مسجر -ولده صالح كان عنده تنور، وكان التنور هذا ساخن أصلاً، ولذلك نضج الخبز بسرعة- فخبزنا فيه، فقال: ارفعوا، وأمر بسد بابٍ بينه وبين صالح ، قال الذهبي: لكون صالح قد أخذ جائزة المتوكل. وكان قد أعطى أحمد وأولاده، فالإمام كان متورعاً عن المال الذي جاء من المتوكل في يد ولده صالح ، حتى أنه ما رضي أن يأكل من الخبز الذي خبز في تنور ولده.





    رد مع اقتباس  

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. هنا اكبر مكتبة للوسائط من تجميع ملكة الأماكن
    بواسطة ملكة الأماكن في المنتدى مسجات و رسائل وسائط SMS & MMS
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 11-Feb-2012, 12:52 AM
  2. حصرياً اكبر مكتبة العاب جوال عرفها التاريخ اكثر من مائة لعبة للجوالات نوكيا
    بواسطة ღღـآلـمّـشاَ كُـسْـღღ في المنتدى يوتيوب - YouTube
    مشاركات: 143
    آخر مشاركة: 11-Feb-2012, 12:50 AM
  3. اكبر مكتبة برامج اسلامية لعيون مياسة
    بواسطة احمد الحلفاوى في المنتدى تحميل و استماع اناشيد و صوتيات الاسلامية
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 11-Feb-2012, 12:49 AM
  4. اكبر مكتبة خطوط انجليزى خطوط العربية اكثر 400 خط
    بواسطة مزيون بوظبي في المنتدى منتدى دروس ومستلزمات الفوتوشوب
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 02-Aug-2010, 10:20 AM
  5. اكبر مكتبة فلترات فوتشوب
    بواسطة مزيون بوظبي في المنتدى التصميم والجرافكس - دروس تصميم
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 05-Feb-2008, 01:33 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

المفضلات
المفضلات
ضوابط المشاركة
  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •