قياس القدرات قرار بيروقراطي أم أكاديمي



الاقتصادية



يبدو أن الاختبارات التي أصبحت تحاصر طلاب الثانوية العامة وطالباتها قدر محتوم لا مناص منه. وعلى أن هذه الامتحانات استوردت بقصد التطوير في محاولة للوصول إلى المستوى ذاته للأنظمة التعليمية الأكثر تقدما، إلا أن ذلك يعد ضربا من الوهم والخيال والقفز على مراحل التطوير, التي تتطلب منظومة متكاملة ووقتا كافيا وجهدا وثقافة تصقل فكر وميول وسلوك الطالب والطالبة من اليوم الأول من التحاقه بالتعليم. العملية التعليمية تستلزم بيئة تشجع التعلم وتمنح الطالب الأمان والرضا النفسي يحقق فيها ذاته ويكون كامل الوعي بماذا ولماذا يدرس؟ ولنا أن نتساءل هنا: هل مدارسنا التي ما زالت 70 في المائة منها مستأجرة, ومناهجنا المنتفخة بالمعلومات وطريقة التدريس التي تعتمد على التلقين, ومدرسونا الذين معظمهم يزدري المهنة ولا يجد نفسه فيها وتكون مجرد وظيفة للعيش أقول هل هذه البيئة قادرة على بناء قدرات الطالب والطالبة الذهنية والنفسية ومساعدتهم على استكشاف إمكاناتهم وتطويرها؟ أشك في ذلك! وهذا الشك يأتي من واقع خبرتي في التدريس الجامعي تمتد نحو 25 عاما, حيث نجد أن معظم خريجي التعليم العام لا يمتلكون أدنى مهارة في التفكير والتحليل وإعداد البحوث والتعبير عن أفكارهم بجرأة أدبية والتواصل مع الآخرين واحترام الوقت والنظام ووضع الأولويات. وهكذا يأتي قرار تطبيق هذه الامتحانات قرارا بيروقراطيا مثله في ذلك مثل جميع القرارات العامة حيال تطبيق نماذج وأفكار مستوردة يستهوينا بريقها وأسماؤها، لكن يتم فهمها مجردة من معانيها دون مغزى واضح ولا هدف يراد تحقيقه. إن فرض مثل هذه الامتحانات دون تهيئة الطالب لها أشبه ما يكون بمحاولة قيادة سيارة فخمة في صحراء دون طرق مرصوفة تسير عليها, ودون نظام مروري! والأدهى والأمر أنها تحدد فرصتهم في القبول في هذا التخصص أو ذاك, بل مسيرة حياتهم المهنية. والواضح أن هذه الامتحانات تأتي مفاجئة, بل صدمة عنيفة لهم, إذ لم يعتد الطلاب أسلوبها الذي يرتكز على التفكير النقدي والتحليل المنطقي وسرعة البديهة وسعة الثقافة والاطلاع, فأسلوب التدريس ومناهج التعليم ومعاملة الطلاب في مدارسنا لا تمت بصلة إلى هذا النوع من التعلم الخلاق والتفكير الإبداعي, فما زال التلقين والاتصال في اتجاه واحد, وكبت حرية التعبير الأسلوب السائد. كارثة التعليم العام في إخفاقه تعليم الطالب كيف يتعلم! إذ إن المهمة الأساس في التعليم هي بناء قدرة الطلاب على فهم ما يدور حولهم, وتوظيف المعلومات في إيجاد حلول جديدة ودفعهم نحو الاستزادة من المعارف والبحث والتقصي واستكشاف الأشياء. وإذا لم يدربوا على إتقان هذا النوع من التفكير والتأمل والتحليل فكيف يتم اختبارهم فيما لا يحسنونه؟! الطلاب المغلوب على أمرهم يساقون لهذه الامتحانات دون حول منهم ولا قوة, ودون إلمام بأهدافها ومقاصدها لتخلق لديهم نوعا من الإحباط, فهم أشبه بمن يلقى في اليم وهو لا يعرف السباحة. الشيء الوحيد الذي يعرفونه أن عليهم الحصول على أعلى الدرجات لاستيفاء شروط القبول في التخصصات التي يرغبون فيها! والحقيقة المرة أن إلزام الطلاب والطالبات بهذه الامتحانات جاء تقليدا أعمى لما يفعله الآخرون, لكن هيهات أن ننجح ونحقق ما حققوه. كيف لنا وهذه الامتحانات نتاج نظام اجتماعي ثقافي مغاير تماما لثقافتنا يسعى إلى زرع حب الإنجاز وتطوير الذات والتفكير ومهارات الاتصال وحرية التعبير واحترام نفسية وعقلية الطالب والطالبة، تبدأ من الحضانة مرورا بجميع المراحل الدراسية حتى التعليم الجامعي, بل جميع مناحي الحياة. لا نستطيع اقتطاع جزء من ثقافة الآخرين ونقوم باستيرادها دون أن نهيئ البيئة المناسبة, ومن ثم نأمل أن نحقق ما حققوه! هذا لا يعني ألا نستفيد من تجارب الآخرين, لكن يجب أن يكون ذلك بشكل متكامل ووعي تام ومقصد واضح. إن ما نفعله تشويه لعملية اختبار القدرات، بل حتى لأسلوب التفكير النقدي, لأن الطلاب والطالبات يجدونه غريبا صعبا يقف حجر عثرة أمام مستقبلهم، وهكذا يتخلق لديهم إحساس بالدونية والعجز والإحباط فيتوهمون أنهم لا يمتلكون الرغبة والقدرة على التفكير الإبداعي. هذه مصيبة كبرى تصيب جهود التنمية الوطنية في مقتل! فعملية التنمية تقوم على المبادرة والإبداع وتقديم أفكار جديدة. هذه هي معادلة التقدم الصناعي والاقتصادي. فما نهض مجتمع وارتقى وتطور إلا من خلال أفراد يفكرون ويبحثون, ونظام اجتماعي يمنحهم الفرصة ليكونوا كذلك ويستثمر جهودهم. السؤال المحير: هل قياس القدرات يقيس جميع أنواع القدرات؟ وبالتالي هل نتائج هذه الامتحانات عادلة في تحديد قدرات الطلاب المختلفة؟ وتبعا: هل تصلح أن تكون معيارا لتحديد مناسبة التخصص للطالب من عدمه؟ على سبيل المثال: هل امتحان القبول يستطيع أن يفرز أولئك الطلاب الذين لديهم قدرة على التخصص في مجال الطب أو العمارة؟ وسبب اختياري هذين التخصصين أن كليهما يحتاجان إلى نوع من المهارات الحركية والذكاء العاطفي والحس الإنساني والبذل والعطاء وتذوق الجمال, أكاد أجزم بأن هذه الامتحانات لا تقيسها! أخشى أننا نحرم كثيرين ممن يمتلكون قدرات مميزة دخول هذه التخصصات, وفي الوقت ذاته نرسل برسائل خاطئة إلى آخرين بمناسبتهم لهذه التخصصات, مع أنهم غير ذلك! والنتيجة إخفاقات وتغيير تخصصات وتسرب من نظام التعليم الجامعي, وهذا يترجم إلى هدر في الموارد وإبطاء عجلة التنمية الوطنية. قضية أخرى على درجة كبيرة من الأهمية, وهي أن هذه الامتحانات تقلل فرص قبول كثير من الطلاب في تخصصات المجتمع في أمس الحاجة إليها, بل هناك نقص شديد. على سبيل المثال لا تتعدى نسبة الأطباء السعوديين 21 في المائة, والسؤال: هل عملية القبول تخضع للمعايير الأكاديمية أم البيروقراطية؟ بمعنى هل عدم قبول الطلاب بسبب عدم قدرتهم, أم لأن ليس هناك مقاعد تكفي لقبولهم؟ وإذا كان الأمر يتعلق بعدم القدرة الاستيعابية، فهذا يثبت أن امتحان القياس هو من أجل التخفيف من وطأة الإقبال على بعض التخصصات, وآلية قد تبدو منطقية وموضوعية ومهنية وعادلة في ظاهرها, لكنها في واقع الأمر مصدات وعراقيل بيروقراطية. هذه الامتحانات ليست مجانية، بل خدمة احتكارية ذات مردود اقتصادي عال, وبالتالي من حق الطلاب التساؤل: على أي أساس تم تحديد الرسوم؟ وإذا كانت إلزامية كأحد شروط القبول في الجامعات فلماذا لا تقدم مجانا؟ ويبقى السؤال مطروحا: هل قياس القدرات قرار بيروقراطي أم أكاديمي؟

rdhs hgr]vhj rvhv fdv,rvh'd Hl H;h]dld