لن ينتهي إلا بدعم بدائل نقل إضافية، والمدن العالمية أدركت ذلك فخفضت الدعم للطرق وأعطت الأولوية لمشاريع النقل العام.
الازدحام المروري والحل الأوحد: الإغداق على الطرق والتقتير على النقل العام
- د. سامي بن عبد الله الدبيخي - 26/08/1428هـ
خلال الإجازة الصيفية الماضية توقع سكان المدن الرئيسية في المملكة أن يكون لهيب الصيف عائقا حقيقيا لهم للقيام برحلاتهم اليومية المعتادة، ودافعا رئيسيا للابتعاد عن طرق وصلت درجة حرارتها نحو 50 درجة مئوية. لكن ما حدث كان خلاف ذلك. فالمتابع قد لاحظ بوضوح وجود دافع قوي لسكان المدينة لإجراء العديد من الرحلات خلال اليوم الواحد بما فيها ساعات الذروة، فالطرق أصبحت سالكة وقائدو المركبات كأنهم اتفقوا على أن تحمل حرارة الجو أرحم بكثير من ضغوط الازدحام المروري.
من هنا يكبر السؤال الذي ينتاب سكان المدينة: ترى هل من الممكن التمتع بهذه الميزة طيلة السنة؟ وإجابة هذا السؤال المطروح هي بيد المسؤولين عن المدن ومطوريها إذا اعترفوا بأن الازدحام المروري مشكلة تحتاج إلى مراجعة وهي في الوقت نفسه مؤشر لبداية التفكير في الحل. ومن ثم استطاعوا أن يفهموا جميع محاولات التعامل مع العرض والطلب في تخطيط النقل وليس الاقتصار على أحدهما.
ومن هنا ناقش أنثوني دونش (مخطط النقل الأمريكي) في كتابه Stuck in Traffic وكتابه الأحدث Still Stuck in Traffic قضية الازدحام المروري التي لم يجدها مشكلة، بل اعتبر أنثوني أن المشكلة الحقيقية تكمن في أننا نفضل العيش في المدن الكبيرة ونقوم بالرحلات في وقت الذروة ونعتمد على المركبة الخاصة في التنقلات. وهذا ما يسبب لنا الازدحام المروري. ولذلك لا يَرى أن الازدحام مشكلة بحد ذاتها، بل يعتبرها هي الحل لانفراج المشكلة إذا فكرنا ببدائل أخرى غير الاستمرار بتشييد الطرق وحدها.
في علم تخطيط النقل، هناك حلول من جانب الطلب تطمح إلى تخفيض الأحجام المرورية (مثال: تقييد دخول المركبات لبعض المناطق وخلال أوقات الذروة وبعض أيام الأسبوع) أو توزيع الأحجام المرورية خلال اليوم (مثال: مرونة أوقات العمل والعمل من المنزل) أو المكان (مثال: توزيع المجمعات الإدارية على المدينة وإنشاء المراكز الحضرية وربطها بالنقل العام) أو على وسائط النقل (مثال: تشجيع برامج زيادة ركاب المركبة الخاصة الموجودين في منطقة واحدة أو المتوجهين إلى مقصد مشترك).
وبالمقابل هناك حلول من جانب العرض تهدف إلى تقديم الخدمات والمرافق التي بوسعها استيعاب الطلب المتزايد على النقل وتسهيل الوصولية في المدينة ( مثال: إنشاء طرق جديدة واستخدام التكنولوجيا في تطوير الإدارة المرورية). وأمثلة كثيرة من شأنها تخفيض الأحجام المرورية وهي فعلا قد أثبتت فاعليتها. إلا أن كل هذه الحلول لا تكفي ولن تكفي دون التوجه نحو دعم النقل العام، فالاستثمار الجاد بالنقل العام بات هو الوسيلة الأكثر شيوعا لمواجهة أزمة الازدحام المروري. لذا لم يعد الإنفاق الضخم على مشاريع الطرق خلال العقود الثلاثة الماضية هو الحل المفضل للمدن الطامحة للتنمية المستدامة وتوفير التنقل لسكان المدينة.
واليوم أصبح الاستثمار في النقل العام يأخذ الأولوية في الدعم والاهتمام الحكومي على وجه التحديد. وتقف المدن الأوروبية ومثيلاتها الكندية على الهرم وتحاول اللحاق بها المدن الأمريكية والآسيوية وبعض مدن الشرق الأوسط كدبي وطهران والقاهرة وبيروت التي قطعت شوطاً ليس باليسير في هذا المجال. فقد أثبتت العديد من الدراسات مع تأكيد الواقع الذي نعيشه أن الطرق الجديدة سرعان ما تزدحم خلال ثلاث سنوات تقريبا من افتتاحها وتعجز عن إيجاد حل جذري لمشكلة الازدحام المروري والسبب يكمن في أن الطرق تجذب المزيد من الرحلات اليومية، وتعجز مبكرا في تحمل الحركة المستقبلية. وبالرغم من كل ذلك مازالت الجهات المسؤولة تغلب الحل الأوحد – الإغداق على الطرق والتقتير على النقل العام، فالاعتمادات المالية تكون جاهزة وسريعة لإنشاء الطرق والشوارع وهو شيء محمود تشكر عليه الدولة قبل الجهات المسؤولة لكن بالمقابل تكون اعتمادات النقل العام بطيئة تحتاج إلى نظر ومراجعة وأحيانا مرفوضة لمجرد أن النماذج الرياضية والأرقام المحسوسة لم تكن في صالح النقل العام مباشرة.
اليوم أصبح بين المدن السعودية الكبرى ومدن كثيرة أمريكية وكندية وأسترالية تشابه كبير من حيث الاعتماد على المركبة الخاصة والتمدد الأفقي. ولذلك نحن بحاجة لمعرفة تجارب الآخرين وتوجهاتهم بين الاستثمار في إنشاء الطرق والاستثمار في النقل العام. فعلى سبيل المثال عاصمة دولة كندا، أوتاوا، رفضت مقترح أحد المكاتب الاستشارية الأمريكية في الثمانينيات الميلادية بإنشاء شبكة واسعة من الطرق السريعة في المدينة وبدلا من ذلك استخدمت المسارات نفسها مع بعض التعديلات وسيرت عليها أسطولا كبيرا من الباصات نجح في إبراز المدينة عالميا كمدينة أفقية معتمدة على المركبات الخاصة ولم يمنعها من امتلاك نظام نقل عام ناجح. أما مدينة بورتلاند الأمريكية الشهيرة فألغت الطريق السريع المحاذي للنهر وحولته إلى مسطحات خضراء وربطته بشبكة من القطارات الكهربائية تخدم معظم أجزاء المدينة. بينما مدينة بيرث الأسترالية قدمت النقل العام من جديد حتى بعد تدشين شبكة ضخمة من الطرق وبطريقة منافسة للمركبات الخاصة من خلال تمرير القطارات في وسط الطرق السريعة بسرعة تصل إلى 120 كيلو مترا في الساعة وربطته بشبكة ضخمة من الباصات. هذه الأمثلة بجانب تجربة مدينة فانكوفر الكندية ومدينة كورتيبا البرازيلية ومدينة سيدني الأسترالية (التي تعكف حاليا على تحديث شبكة النقل العام بمبلغ ثمانية مليارات دولار أسترالي) وغيرهما الكثير شاهد قوي ودافع لمعاودة التفكير والقيام بنقطة تحول للاستثمار في النقل العام بنسبة موازية للطرق لتحقيق النقل المتوازن المستدام.
لقد كانت تجارب العديد من المدن العالمية خلال العقود الثلاثة الماضية، شاهدا قويا على أن النقل العام قادر على منافسة المركبة الخاصة وتقديم الخدمة الناجحة رغم التوسع الأفقي وانخفاض كثافة التطوير. وأظهرت نتائج الدراسات أن نجاح تلك المدن لم يكمن فقط في تشييد مشاريع نقل عام ضخمة معتمدة على التكنولوجيا ولا في محاولاتهم لتغيير الشكل العمراني ورفع الكثافات العمرانية للمدينة. بل انطلق النجاح عندما تبنت تلك المدن استراتيجية أولوية الاستثمار في النقل العام، وتوظيف وسائط نقل عام متعددة ومتكاملة لتوفير شبكة فاعلة ومتعددة من حيث الوقت والوجهة، وإنشاء هيئة نقل عام خاصة بكل مدينة ومتكاملة مع هيئة التخطيط الحضري في المدينة.
ومن هنا تتضح أهمية وعي الجهات المسؤولة هذه القاعدة الأولى في نجاح النقل العام للمدن العالمية. التي تمحورت في قوة الدعم الحكومي لنظام نقل عام ناجح للمدن يوازي على الأقل الدعم المقدم للطرق إن لم يكن دعما مضاعفا للنقل العام لتقليل الفجوة التي خلفتها استمرارية الإغداق على مشاريع الطرق خلال العقود الماضية. كيف لا يكون ذلك والإنفاق على النقل العام بات اليوم مكسبا وطنيا قادرا على تخليص المدن السعودية من العديد من المشكلات البيئية والاقتصادية والاجتماعية وتوفير التواصل الذي تعجز عنها المركبة في العديد من الأحيان لشريحة كبيرة من المجتمع (كبار السن، المعوقين، الأطفال، النساء) والأماكن في المدينة (وسط المدينة، أماكن العمل في المناطق المزدحمة). إضافة إلى هدفه الرئيس في تخفيف الاختناقات المرورية المكلفة اقتصاديا واجتماعيا.
لذا فمن المؤمل ألا تقف دراسات الجدوى الاقتصادية المرتكزة في الغالب على التكلفة والعوائد المالية عائقا عن تقديم الدعم الحكومي الكافي لتشييد مشاريع النقل العام. حيث على هذه الدراسات اعتبار العديد من المتغيرات والفوائد الناتجة عن استخدام النقل العام وتحويلها إلى قيمة مالية التي في الغالب ترجح في النهاية الجدوى الاقتصادية للاستثمار في مشاريع النقل العام. إننا بحاجة اليوم إلى اللحاق بطريقة تفكير الدول المتقدمة من حيث التخلص من الفكرة القديمة المعتبرة تشييد الطرق هي الوسيلة الاقتصادية وضرورة دعمها من قبل الحكومة غير مستغرب بمنح غير مستردة، وبدلاً من ذلك حان الوقت لاعتبار النقل العام الوسيلة الأكثر اقتصادا واستدامة وضرورة لمعظم شرائح المجتمع ودعمه بمنح حكومية غير مستردة دون انتظار القطاع الخاص للاضطلاع بهذه المهمة لأنه يمثل خدمة للمجتمع وإن كان لا بد فيقصر دوره على التشغيل، أما تصميم وتخطيط وإنشاء نظام النقل العام فمسؤولية هيئات النقل العام في المدن.