"جدوى للاستثمار": الأسهم السعودية ملاذ آمن في أوقات اضطرابات الأسواق العالمية
- الاقتصادية من الرياض - 27/08/1428هـ
انقضت فترة طويلة من الاستقرار في أسواق المال العالمية بانعكاس تداعيات أزمة قروض الرهن العقاري متدنية الجودة (sub-prime) في الولايات المتحدة على البنوك حول العالم. ورغم اعتقادنا بأن البنوك السعودية ليست معرضة بصورة كبيرة لأزمة القروض متدنية الجودة إلا أن الاضطرابات الحالية التي تشهدها الأسواق ستكون لها آثار هامة على المستثمر السعودي نوجزها في التالي:
إرتفاع تكلفة الاقتراض على الشركات: حيث تؤدي الرغبة في تقليل المخاطر إلى زيادة تكلفة إقراض الشركات بأعلى من مستوياتها الحالية.
نشؤ فرص جيدة لمن يتمتعون بسيولة عالية: حيث يجد المستثمرون الذين لا يركنون إلى الاقتراض أنفسهم في وضع أفضل لشراء وتملك الأصول الأجنبية بأسعار أرخص مما كانت عليه قبل الأزمة الأخيرة.
عودة الأموال المهاجرة إلى سوق الأسهم: من مزايا الانفتاح المحدود لسوق الأسهم السعودي أمام المستثمرين الأجانب انه يوفر ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات العالمية.
انخفاض أسعار الفائدة: من المرجح إجراء خفض آخر في سعر الفائدة الأمريكي، وليس من الواضح إذا كانت مؤسسة النقد سوف تحذو حذو الاحتياطي الفيدرالي خصوصا أن أسعار الفائدة في السعودية تقل عن مثيلتها في أمريكا، لكن من المؤكد أن أسعار الفائدة قد بلغت ذروتها.
من الضرورة بمكان رصد أي علامات تشير إلى انتشار الاضطرابات المالية في الولايات المتحدة إلى بقية قطاعات الاقتصاد الأمريكي حيث أن تداعياتها تنعكس بصورة سلبية على الأسواق. لكننا نستبعد دخول الاقتصاد الأمريكي في مرحلة تباطؤ.
موجز سوق الأسهم: تراجعت حدة التقلبات وأصبحت أسعار الأسهم تتحرك بالتجانس مع نمو الأرباح بصورة عامة، كما أن قيمة العديد من أسهم الشركات ذوات رؤوس المال الكبيرة تعتبر جذابةً الآن، لكن لا يزال الإفراط في المضاربات يتحكم في أسهم بعض الشركات الصغيرة وخصوصاً شركات التأمين الجديدة.
موجز التطورات الاقتصادية: هيمنت على الأخبار الاقتصادية الإيجارات المرتفعة التي تسببت في رفع مستوى التضخم حتى 3,8 بالمائة في يوليو. من ناحية أخرى، ارتفع رصيد مؤسسة النقد من الموجودات الأجنبية وتواصل الانتعاش في عمليات إقراض البنوك للقطاع الخاص.
موجز أسواق النفط: خفت حدة صعود أسعار النفط بعض الشيء من مستوياتها المرتفعة مؤخراً، لكن لا نعتقد أنها ستتراجع بحدة كما جرى عقب ارتفاعها الصيف الماضي. وتبدو كافة معطيات السوق الأساسية متوازنة مما يتعين أن يوفر دعماً لبقاء الأسعار عند مستوياتها الحالية أو حولها.
تداعيات الاضطرابات المالية العالمية الراهنة
شهدت أسواق المال العالمية موجــات كبيـرة من التذبذب في الفتـرة الأخيــرة بسبـب تداعيــات مشاكــل "قـروض العقـار متدنيـة الجـودة" (sub-prime mortgage) في الولايات المتحدة على قطاع المصارف في كل دول العالم. ولم تستثني الأزمة حتى السعودية، فعلى الرغم من مقدرة بنوك المملكة على امتصاص القدر الضئيل من انكشافها أمام القروض المتعسرة تلك وبكل سهولة إلا أن شركات أخرى مثل سابك على سبيل المثال واجهت سلفاً بعض العقبات.
تعزى مشاكل أسواق المال العالمية الراهنة في الأصل إلى الانخفاض الكبير في أسعار الفائدة مؤخراً مع تواصل ذلك حيث تدنت مستويات الفائدة الأمريكية دون مستوى 2 بالمائة منذ ديسمبر من عام 2001 حتى نوفمبر من عام 2004 وذلك مستوى لم يشهد الاقتصاد مثيله منذ حقبة الستينات. وقد عملت الفائدة المتدنية على تشجيع الاقتراض لكنها خفضت من أرباح الشركات المقرضة. نتيجة لذلك لجأت بعض المؤسسات المالية إلى التساهل في شروط التمويل حتى تستطيع التوسع في حجم عملياتها. ونتج عن ذلك تحديداً أن تمكن العديد من المقترضين ذوي الملاءة المالية الضعيفة والدخل المتقطع من الحصول على التمويل العقاري (وتعرف القروض التي تقدم لهذه الشريحة بـ "بالقروض متدنية الجودة").
وقد أدى الارتفاع السريع في أسعار الفائدة عقب فترة انخفاضها (من مستوى 1 بالمائة في يونيو 2004 إلى 5,25 بالمائة بعد عامين فقط) إلى تعسر الكثيرين من ذوي الملاءة المالية الضعيفة عن سداد الأقساط المستحقة عليهم، وزاد الطين بللاً بانقضاء فترة الفائدة المثبّتة المنخفضة التي عادة ما يتصف بها هذا النوع من القروض. لذلك فقد قفزت حالات إعسار القروض متدنية الجودة وارتفعت حالات نزع البنوك لمنازل من تعذر عليهم السداد بمعدل 93 بالمائة في يوليو مقارنة بالعام السابق وبمعدل 9 بالمائة عن الشهر السابق.
ثم ظهرت مشكلة تسنيد أو توريق القروض العقارية لتضاعف من الأوضاع المتأزمة أصلاً. وتتيح عملية التسنيد للمقرضين إمكانية تجميع القروض المتشابهة في سلة واحدة ثم إعادة بيعها للمؤسسات المالية الأخرى التي ينتقل إليها الحق في استلام دفعات قروض الرهن العقاري. ورغم أن هذا الإجراء يساهم في الحد من المخاطر بتوزيعها على نطاق واسع إلا أنه لم يعصم المقرضين الذين تضرروا من هبوط دورة سوق المساكن.
وقد نتج عن الاستمرار في تجميع القروض وإعادة تدويرها حالة من اضطراب الرؤيا فيما يتعلق بملكية القرض الأصلي المتعسر كما أدى انتشار تلك القروض إلى تضرر المؤسسات المالية على مستوى العالم من خلال انكشافها أمام تداعيات قروض العقار متدنية الجودة. وقد اضطرت أكبر شركة تمويل عقاري في الولايات المتحدة إلى بيع حصة منها إلى مؤسسة مالية أخرى من أجل الحصول على السيولة ؛ وانهار صندوقا تحوط يمتلكان نسبة كبيرة من قروض العقار متدنية الجودة يديرهما البنك الاستثماري الأمريكي بير ستيرن؛ كما تدخلت البنوك الألمانية لإنقاذ ممول صغير كانت لدية محفظة كبيرة من القروض متدنية الجودة. هذا وقد أشارت العديد من البنوك الآسيوية إلى انكشافها أمام القروض العقارية بمبالغ تتخطى البليون دولار.
وكرد فعل للمخاوف من تعرضها للانكشاف أو انكشاف الجهات المتعاملة معها انتابت البنوك حالة من التردد في تقديم القروض. ولتفادي تعرض البنوك لحالة شح في تقديم الائتمان قد تنعكس على النشاط الاقتصادي برمته، لجأت البنوك المركزية حول العالم إلى ضخ مبالغ هائلة في أسواق النقد المحلية خلال الأسابيع القليلة الماضية. وقد شاع هدوء نسبي عقب إقدام البنك المركزي الأمريكي على خفض سعر الخصم في 17 أغسطس (سعر الخصم هو سعر الفائدة الذي يفرضه البنك المركزي الأمريكي على البنوك مقابل الاقتراض العاجل)، والذي تم تخفيضه إلى 5,75 بالمائة من 6,25 بالمائة. أما سعر الفائدة على القروض الفيدرالية الذي يعتبر سعر القياس
على القروض قصيرة الأجل فقد ظل عند مستوى 5,25 بالمائة.
وقد وضعت هذه الأحداث نهاية لعهد من استقرار الأسواق المالية كان قد شهد تراجع الهوامش الائتمانية (العلاوة فوق الفائدة الحكومية التي تدفعها الشركات مقابل الاقتراض) إلى مستويات متدنية تاريخياً وارتفاع أسواق الأسهم إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق. ومن المرجح أن تظل المخاوف من تداعيات قروض العقار متدنية الجودة مهيمنة على الأسواق العالمية وعلى الصورة المستقبلية للاقتصاد العالمي لفترة من الزمن. ونتوقع أن ينعكس ذاك على الأسواق بصورة عامة كالتالي:
تذبذب أسواق الأصول المالية: ستظل العصبية تسيطر على سلوك المستثمرين وستأتي ردود الأفعال على أخبار السوق السلبية كبيرة بأعلى من المعتاد خصوصا تلك التي تشير إلى انتقال آثار أزمة القروض متدنية الجودة إلى قطاعات اقتصادية أخرى، كما نرجح التذبذب في أسواق الأسهم والسندات والنقد.
انخفاض الرغبة في تحمل المخاطر: عادة ما تؤدي حالات عدم الاستقرار في الأسواق إلى "الهروب بحثاً عن الجودة" حيث يخفض المستثمرون من حيازاتهم من الأصول مرتفعة المخاطر ويضعوا أموالهم في الاستثمارات الآمنة. ونتوقع تراجع الرغبة في تحمل المخاطر مع استمرار حالة المخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد والاستثمارات.
التراجع في إصدار أدوات الدين: ارتفعت تكلفة الاقتراض على الشركات نسبة لمطالبة المستثمرين بعائد أعلى أو علاوة مخاطر فوق ما تدفعه الحكومة. ورغم التوقعات بتراجع أسعار الفائدة القياسية إلا أن الأسعار التي ستدفعها الشركات ستظل أعلى كثيرا من مستوياتها المتدنية مؤخراً. وسيساور المستثمرين القلق حيال الصفقات التي تنضوي على مبالغ كبيرة من أدوات الدين وهو الاتجاه الجديد فيما يتعلق بعمليات الاندماج والاستحواذ ورأس المال الخاص.
تراجع أسعار الفائدة: كان هناك إجماع كبير قبل أغسطس المنصرم على أن أسعار الفائدة الأمريكية (الفائدة على القروض الفيدرالية) ستحافظ على مستواها الحالي البالغ 5,25 بالمائة حتى نهاية عام 2008. لكن الخفض الأخير في سعر الخصم يعني أن احتمال خفض الفائدة على الأموال الفيدرالية بواقع 25 نقطة أساس (0,25 بالمائة) خلال اجتماع البنك المركزي الأمريكي القادم في 18 سبتمبر بات مرتفعاً جداً. وتقدر التوقعات الاستطلاعية أن تتراجع فائدة القروض الفيدرالية إلى 4,75 بالمائة بنهاية عام 2008. وحتماً سيلجأ البنك المركزي الأوربي كذلك إلى خفض أسعار الفائدة القياسية بواقع 25 نقطة أساس على النقيض من التوقعات السابقة. إضافةً إلى ذلك، أدت الأوضاع التي تعصف بالسوق هذه الأيام إلى تراجع احتمال أن يلجأ البنك المركزي الياباني وبنك إنجلترا إلى خفض أسعار الفائدة.
الاستنتاجات فيما يتعلق بالسعودية
توحي الصورة العامة بأن السعودية لم تتأثر من تأرجح الأسواق العالمية إلا في أضيق الحدود ، بل ارتفع مؤشر تداول الشامل بمعدل 6,9 بالمائة فوق أعلى مستوى لمؤشرات الأسهم الأمريكية بتاريخ 19 يوليو محافظاً بذلك على الاتجاه التصاعدي الذي كان قد بدأه مطلع ذلك الشهر. ويعني الطلب القوي على صكوك شركة سابك التي طرحت في 21 أغسطس والبالغة 1,5 بليون دولار أن المستثمرين قد قبلوا بعائد أقل من المستوى الذي طُلب سابقاً. إضافة إلى ذلك، لا نعتقد أن أياً من البنوك السعودية منكشف بشكل كبير على سوق القروض العقارية متدنية الجودة سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لكن النظرة الفاحصة تظهر أن السعودية ليست بمنأى عما يجري في الأسواق العالمية. مثال ذلك أن معظم الطلب في حالة الصكوك التي أصدرتها سابك جاء من دول الشرق الأوسط وخصوصا السعودية، لذا لا علاقة بإعادة تسعيرها بأحوال أسواق الائتمان العالمية. وكانت سابك تخطط في بداية الأمر إلى تعبئة 2,7 بليون دولار من ذلك الإصدار ولكن ما حصلت علية فعلا هو 1,5 بليون دولار. كما تعثرت إصدارات أخرى من منطقة الخليج (أجّلت دانه للبتروكيميائيات إصدار صكوك بقيمة بليون دولار) ولا بد أن الحذر كان له نصيباً في تقييم المستثمرين لمخاطر السوق السعودي.
من شأن الارتفاع في هوامش فائدة الائتمان زيادة تكلفة الاقتراض، حتى بعد أخذ أي خفض في فائدة القروض الفيدرالية في الإعتبار. ورغم أن تكلفة الاقتراض لم تصل لمرحلة قاهرة بعد (ولا تزال دون مستواها خلال الفترة 1999-2002)، نجد أن فرص إصدار أدوات الدين قد تضاءلت في الوقت الذي تعيد فيه الشركات النظر في خططتها للاقتراض لتمويل عمليات الاستحواذ بالخارج. ويوفر ذلك فرصة لكبار المستثمرين السعوديين ممن يتمتعون بالسيولة المرتفعة والذين لا يعتمدون على عمليات الاقتراض الجديدة أو الخارجية وهم بالتالي في وضع أفضل لتملك الأصول الأجنبية بأسعار أقل من تحركات السوق الأخيرة بصورة عامة.
وهناك مستفيد آخر محتمل من اضطرابات الأسواق العالمية هذه وهو سوق الأسهم السعودي، حيث يسود الاعتقاد بأن المستثمرين السعوديين قد لجأوا إلى إعادة توطين أموالهم نتيجة تخوفهم من تدهور الأسواق العالمية بصورة أكبر رغم عدم توفر البيانات التي تدعم ذلك. وقد تراجعت أسواق الأسهم في معظم الدول الكبيرة والناشئة منذ بداية الاضطرابات بما في ذلك أسواق منطقة الشرق الأوسط الأخرى حيث لجأ المستثمرون الأجانب لسحب أموالهم (سوق دبي انخفض 1,4بالمائة، أبو ظبي بواقع 3,2 بالمائة ومصر 4,6 بالمائة). وبما أن سوق الأسهم السعودي متاح للمستثمرين الأجانب في حدود ضيقة فيمكن النظر إليه بمثابة ملاذ آمن في أوقات اضطراب الأسواق المالية العالمية.
من شأن الخفض المتوقع في معدل الفائدة على القروض الفيدرالية الأمريكية التأثير على السعودية، حيث أن الربط بين العملتين يعني أنه يتوجب أن تتعقب الفائدة على الريال الفوائد على الدولار بصورة عامة. فإذا سمحت مؤسسة النقد لأسعار الفائدة المحلية بالانحراف بعيدا عن أسعار الفائدة الأمريكية فسوف يغتنم المستثمرون في أسواق العملات فرصة المراجحة الناشئة بصورة عاجلة (تحقيق أرباح دون تحمل مخاطر بالاتجار في فروق أسعار الصرف). وفي ظل ارتفاع التضخم (3,8 بالمائة في يوليو وهو الأعلى منذ سبعة أعوام)، فإن أسعار الفائدة المنخفضة تبدو غير منسجمة مع متطلبات الأوضاع الاقتصادية المحلية. لكن وكما ذكرنا في تقاريرنا السابقة فإن المديونية المنخفضة في البلاد تعني عدم استجابة المستهلكين من الأفراد والشركات للتعديلات الطفيفة في أسعار الفائدة لذا فإن خفضاً في سعر الفائدة قدرة 25 نقطة أساس لن يكون له أثر يذكر على التضخم.
ولن تلجأ مؤسسة النقد إلى خفض سعر الفائدة في الغالب، حيث عملت السيولة الكبيرة لدى البنوك المحلية على إبقاء سعر الفائدة المستخدم في التعاملات بين البنوك السعودية عند مستوى أقل من نظيره الأمريكي منذ شهر مارس من العام الماضي (في العادة تكون الفائدة السعودية أعلى من الفائدة الأمريكية مما يعكس مخاطر محلية أعلى). وقد جاء سعر الفائدة على إيداعات الريال لثلاثة أشهر أقل بواقع 62 نقطة أساس (0,62 نقطة مئوية) من الفائدة الأمريكية وذلك بتاريخ 4 سبتمبر. وقد قررت مؤسسة النقد عدم تعقب خطوات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة في مارس ومايو من العام الماضي بسبب المخاوف من آثار ذلك على سوق الأسهم وربما تكرر نفس الإجراء خلال الأشهر القادمة من أجل خفض الفرق في معدلات أسواق النقد.
لا نعتقد أن أي مؤسسة محلية معرضة بشكل كبير لمخاطر قروض العقار الأمريكية متدنية الجودة. وكانت الموجودات الأجنبية للبنوك التجارية السعودية قد بلغت 41 بليون دولار بنهاية يوليو المنصرم لكن يبدو أنها مستثمرة بصورة متحفظة نسبياً في أدوات مالية منخفضة المخاطر مثل سندات الخزانة الأمريكية ولا تدعو للقلق فيما يتعلق بسلامة القطاع المصرفي. ونرجح أن نفس الوضع ينطبق على مؤسسة النقد التي تدير الموجودات الأجنبية للدولة. إضافة لذلك، وباعتبار ضخامة الموجودات لدى مؤسسة النقد (255 بليون دولار بنهاية يوليو) والتي تتزايد شهرياً بمتوسط يبلغ 4,3 بليون دولار خلال الأشهر السبع الأولى هذا العام، فإن المؤسسة في وضع مريح يسمح لها بامتصاص أي ضربة قد تأتي من تعرضها لمخاطر قروض الرهن العقاري متدنية الجودة.
أما المخاطر على الأمد الأطول فتتمثل في احتمال انتشار مشاكل القطاع المالي الأمريكي إلى بقية الاقتصاد ودفع البلاد إلى مرحلة من التباطؤ. وباعتبارها أكبر مستهلك في العالم فإن من شأن هذا التباطؤ الإضرار بالأداء الاقتصادي في بقية الدول. وسيأتي الأثر المباشر للتباطؤ الأمريكي على الاقتصاد السعودي كتراجع في أسعار النفط. وكانت أسعار النفط قد تراجعت ما يربو على 20 بالمائة خلال التباطؤ الاقتصادي الطفيف في أواخر عام 2000 وبداية عام 2001، أي ما يعادل 15 دولار للبرميل دون مستوى الأسعار الحالي. والآن فقد تراجعت أسعار النفط سلفا بحوالي 10 بالمائة منذ منتصف أغسطس نتيجة المخاوف من تراجع النمو العالمي (لكنها لا تزال إيجابية جدا على الاقتصاد عند مستواها الذي يفوق 70 دولار للبرميل).
ومن شأن التباطؤ في الولايات المتحدة أن يؤدي إلى تراجع الطلب الداخلي وبالتالي أسعار بقية السلع التي تنتجها السعودية مثل البتروكيميائيات والمنتجات البلاستيكية. أخيراً، وبما أن احتمال إجراء تعديلات أخرى على سعر الخصم الأمريكي يظل وارداً، فربما يؤدي ذلك لإضعاف الريال بصورة أكبر نتيجة للربط بين سعر صرف العملتين.
من الضرورة بمكان رصد أي علامات تشير إلى دخول الاقتصاد الأمريكي في مرحلة تباطؤ حيث أن البيانات من هذا القبيل تنعكس بصورة سلبية جداً على الأسواق. وقد شهدت الأيام الأخيرة أكبر تراجع في مؤشر ثقة المستهلكين في امريكا على مدى عامين وأسوأ تراجع في أسعار المساكن فيها على مدى 20 عاماً على الأقل. والجدير بالملاحظة أن كافة فترات التباطؤ الأخيرة في الولايات المتحدة كانت قد بدأت بتراجع في قطاع العقار.
لكن شأننا شأن بقية المراقبين، حيث لا نعتقد أن الاقتصاد الأمريكي مقبل على مرحلة من التباطؤ الاقتصادي، فقد ارتفع النمو في الناتج الإجمالي الأمريكي بواقع 3,4 بالمائة سنويا في منتصف عام 2007 وهو أعلى معدل يسجله في أكثر من عام. وقد جاءت قوة الدفع الرئيسية للنمو من استثمارات الشركات والصادرات ولا تزال فرص النمو جيدة لكلتيهما.
كما أن ميزانيات الشركات تبدو قوية، حيث توضح الخريطة على الجانب الأيسر أن حالات الإعسار في القطاعين التجاري والصناعي منخفضة ومستقرة رغم ارتفاعها في قروض الرهن العقاري، وكذلك تبدو الصورة المستقبلية للاقتصاد العالمي (وللصادرات الأمريكية بالتالي) ايجابية. ورغم خفض صندوق النقد الدولي لتوقعاته بالنمو في الولايات المتحدة في أواخر يوليو، إلا أنه رفع من توقعاته بالنمو في النشاط الاقتصادي العالمي إلى 5,2 بالمائة عاكساً لحالة التعافي التي تجري في الاقتصاد الياباني والمعطيات القوية في اقتصاديات الأسواق الناشئة.
نقطة أخيرة جديرة بالاعتبار هي أن السعودية تعكف حاليا على تطوير سوق الرهن العقاري الخاص بها. ورغم أن إجازة نظام الرهن العقاري قد يستغرق وقتاً إلا أن صناعة تمويل المنازل قد شرعت في الإقلاع وهناك الآن عدد من سلال القروض الجاهزة للتوريق. لكن البنية والنظامية فيما يتعلق بالتوريق لا تزال غير مكتملة وربما تؤدي الاضطرابات الحالية في أمريكا إلى تأخير تطويرها. ونرجح اتخاذ منهج متحفظ حيال التورق العقاري حيث لا تزال هناك تساؤلات تتعلق بعملية نزع المساكن في حالة الإعسار. وحسبما صرحت به وزارة المالية فإن حالات الإعسار في قروض صندوق التنمية العقاري التابع للدولة، المناط به تقديم التمويل العقاري بفائدة منخفضة، بلغت 30 بالمائة وهو مستوى لن تقوى على تحمله أي جهة خاصة تعمل في مجال التطوير العقاري أو تحمل أدوات مالية عقارية.