الملاحظات
صفحة 4 من 4 الأولىالأولى ... 234
النتائج 31 إلى 39 من 39

الموضوع: أكبر مكتبة تضم خطب الجمعة لكبار أئمة الحرم المكي والنبوي

  1. #31 رد: أكبر مكتبة تضم خطب الجمعة لكبار أئمة الحرم المكي والنبوي 
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    محاضرة 31

    يا شباب الإسلام بن حميد

    إن العناية بالنشء مسلك الأخيار وطريق الأبرار، ولا تفسد الأمة إلا حين تفسد أجيالها، ولا يستقيم طريقها إلا حين يصلح شبابها وناشئتها. وإن أول لبنة في بناء الشباب هي لبنة العقيدة ورسوخ الإيمان، يتبع ذلك لبنة العزيمة الصارمة والهمة العالية واقتران العمل بالعلم، ومراعاة الميول والرغبات للاستفادة من الطاقات المتاحة، فكل ميسر لما خلق له.

    أهمية صلاح النشء من أجل بناء الأمة




    الحمد لله، أعاد وأبدى، وأجزل علينا النعم وأسدى، لا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أكْرِم به نبياً! وأنْعِم به عبداً! صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، كانوا أمثل طريقة وأقوم وأهدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

    أما بعد:

    أيها المسلمون: زينة الحياة الدنيا وعُدة الزمان بعد الله؛ شباب الإسلام الناشئون في طاعة ربهم، لا تكاد تُعْرَف لهم نزوة، أو يعهد عليهم صبوة، يستبقون في ميادين الصالحات، أولئك لهم الحياة الطيبة في الدنيا، ولهم الظل الظليل يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظل المولى.

    ولئن تطلعت الأمة لإصلاح ناشئتها، ورغبت في أن تقر عينها بصلاحهم، فعليها أن تهتم بتربيتهم وتسليحهم بسلاح الإيمان، وتحصينهم بدروع التقوى، وأخذهم بجد وقوة إلى العلم النافع والعمل الصالح.

    إن العناية بالنشء مسلك الأخيار وطريق الأبرار، ولا تفْسُد الأمة وتهلك مع الهالكين إلا حين تفسُد أجيالها، ولا ينال الأعداء من أمة إلا إذا نالوا من شبابها وصغارها.



    الأنبياء والاهتمام بصلاح الذرية



    وفي كتاب الله إخبار عن أنبياء الله حين توجهوا إلى ربهم بصلاح ذرياتهم من قبل وجودهم ومن بعد مجيئهم.

    فمن دعاء زكريا عليه السلام: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران:38] ولا خير في ذرية إن لم تكن طيبة.

    ويقول إبراهيم عليه السلام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم:35].

    وفي دعاء له آخر: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم:40].

    وكل صالح من عباد الله يبتهل إلى ربه: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي [الأحقاف:15].

    من الشباب ينشأ العلماء العاملون، والجنود المجاهدون، وفيهم الصناع والمحترفون، إذا صلحوا سعدت بهم أمتهم، وقرت بهم أعين آبائهم وأمهاتهم، وامتد نفعهم وحسنت عاقبتهم، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [الرعد:23].



    أعلى الصفحة


    لبنات في بناء الشباب




    ولقد رسم النبي صلى الله عليه وسلم فيما رسم منهجاً واضحاً في وصايا وجهها لشباب الأمة المحمدية ممثلة في ابن عمه الغلام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حيث قال له: {يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك }.



    العقيدة وأهميتها في صياغة الشباب



    إن أول لبنة في بناء الشباب لبنة العقيدة، ورسوخ الإيمان، وصدق التعلق بالله وحده، والاعتماد عليه.

    إن أولها: حفظ الله بحفظ حقوقه وحدوده، ومن ثم الاستعانة به وحده في الأمور كلها، والتوكل عليه، واليقين الجازم بأن بيده سبحانه الضر والنفع.

    يأتي كل ذلك -أيها الإخوة- ليكون دافعاً للشباب، وهو في ثورته وطموحه وتكامل قوته؛ ليكون قوي العزيمة عالي الهمة.



    أعلى الصفحة



    قوة العزيمة وعلو الهمة وأثرها في حياة الشباب



    وإن شباب الإسلام اليوم بحاجة إلى المعرفة التامة بالعزائم من الأمور، والعالي من الهمم.

    إن قوي العزيمة في الشباب -أيها الشباب- من تكون إرادته تحت سلطان دينه وعقله، ليس عبداً لشهواته، {فتَعِس عبد الدينار وعبد الدرهم }.

    من صرامة العزيمة وعلو الهمة أن يفرغ الفؤاد عن الشهوات القريبة والعواطف السريعة.

    اسمعوا إلى صقر قريش عبد الرحمن الداخل في قصة حفظها لنا التاريخ، يقول التاريخ: حينما عبر هذا الصقر البحر أول قدومه على الأندلس أهديت له جارية فارعة الجمال، فنظر إليها وقال: إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا شُغِلْتُ عنها بما أَهُمُّ به ظلمتها، وإن أنا اشتغلت بها عمَّا أَهُمُّ به ظلمتُ هِمَّتِي، ألا فلا حاجة لي بها، ثم ردها إلى صاحبها.

    أيها الشباب: إن الشهوات والعواطف وحب الراحة وإيثار اللذات هو الذي يُسْقِط الهمم، ويفتِّر العزائم، فكم من فتيان يتساوون في نباهة الذهن، وذكاء العقل، وقوة البصيرة؟! ولكن قوي الإرادة منهم وعالي الهمة فيهم، ونفَّاذ العزيمة بينهم هو الكاسب المتفوق، يجد ما لا يجدون، ويبلغ من المحامد والمراتب ما لا يبلغون، بل إن بعض الشباب قد يكون أقل إمكانيات وأضعف وسائل؛ ولكنه يفوق غيره بقوة الإرادة وعلو الهمة والإصرار على الإقدام.

    وإنه لحقيق بالرجال القوامين على التربية أن يعطوا هذا الدرس مكانه من التوجيه من أجل بناء صروح من العز شامخة، إن لم يكن ذلك فقد ظلمت الأمة نفسها، وخسرت أجيالها، وهضمت حق دينها، وأضاعت رسالتها، يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً [مريم:12].

    وما اقترن العزم الصحيح بالتوكل الوثيق على مَن بيده ملكوت كل شيء إلا كانت العاقبة فوزاً ونجاحاً، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:159].

    وإن من مظاهر ضعف الهمم في التعليم والتوجيه، ومن بخس حق العلم والمعرفة: أن يطلب الفتى العلمَ لينال به رزقاً، أو ينافس به زميلاً، حتى إذا أدرك الوظيفة، أو فاز على الزميل، أخلد إلى الراحة، ونسي العلم، وأضاع المعرفة، وتنحَّى عن الطلب، وإنما يرتفع رأسُ الأمة ويظهر عزها بهمم أولئك الذين يُقبلون على العلم بجد وصبر وثبات، ولا ينقطعون عن التحصيل والاستزادة إلا حين ينقطعون عن الحياة.



    أعلى الصفحة



    أهمية اقتران العلم بالعمل في صياغة الشباب



    والعلوم -أيها الإخوة- ما وضعت إلا لتهدي إلى العمل النافع، فلا شرف لها في نفسها، وإنما شرفها بما يترتب عليها من عمل صالح وأثر حسن، فالفقيه من يجد في علمه ما يعرف به أحكام الوقائع والنوازل، وكيف تكون المفاخرة بفتيان درسوا من العلوم التجريبية ما درسوا، ثم لم ينفعوا بلادهم في معامل ولا مصانع تكون بها أمتهم رائدة إلى الصلاح، وقائدة إلى مناهج الحق والصواب في كل ميدان وفي كل مجال؟!

    ومن هنا كان لزاماً -أيها المسلمون- اقتران العلم بالعمل، فمَن عَلِم خيراً فليبادر إلى فعله، ومن عَلِمَ شراً فليحذر الاقتراب منه، وما يحيي القلوب بالمعرفة اليقظة والعلم النافع إلا المبادرة إلى العمل، فبه تستنير القلوب، ويصح المسير في دروب الحياة.

    يقول بعض السلف: [[كنا نستعين على حفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمل بها ]].

    ويقول بعض الحكماء: إذا أردت الاستفادة من النصائح المكتوبة والمسموعة فجربها واعمل بها، فإنك إن لم تفعل كان نصيبك نسيانها.

    إن المعلومات النظرية التي لم ينقلها العمل من دائرة الذهن والأفكار المجردة إلى واقع الحياة لا فائدة فيها، فالجندي لا تنفعه معلوماته إذا لم يمارسها في الميدان، وماذا ينفع الطبيب علمه وكراريسه وآلاته إذا لم يمارسها طباً وعلاجاً؟!



    أعلى الصفحة



    ضرورة مراعاة الاستعدادات والرغبات والمواهب عند صياغة الشباب



    يُضَمُّ إلى ذلك -يا شباب الإسلام- العلم بما اقتضته سنة الله سبحانه وتعالى وحكمته، من اختلاف النفوس في استعداداتها ورغباتها ومواهبها من أجل أن ينتظم الشأن في هذه الحياة، فلربما نشأ وليدان في مهد واحد فتختلف ميولهما واختصاصاتهما في العلوم والمطالب، وإن لكم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لَخَيْرَ أسوة، وفي توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لَهُمْ حسب طبائعهم وقدراتهم لأَوْضَحَ قدوة، فقد اختلفوا في طبائعهم ومهماتهم وأعمالهم ومعارفهم؛ فـبلال غير أبي بكر ، و خالد غير أبي ذر ، و ابن عباس غير ابن عمر ، و مصعب غير ابن عوف ؛ كانوا مهاجرين وأنصاراًَ، وكان فيهم أصحاب بيعة الرضوان، وفيهم الولاة والحكام، وفيهم العسكريون والقادة، وفيهم أوعية العلم والفقه، وكلهم أبلى في الإسلام بلاءً حسناً، وكلهم كان على ثغر من ثغور الإسلام فحفظه وصانه.

    من أجل هذا -أيها الإخوة- فلا فرق بين عمل وعمل، فالأعمال المباحة على كثرتها واختلافها مطلوبة متأكِّدة حسب حاجة الأمة إليها، وبناء حياتها وقوَّتها عليها، {ألا فاعملوا فكل ميسر لما خلق له }.

    أمةُ الإسلام مطالبةٌ بالدعوة إلى الله، مطالبة بإعداد القوة لإرهاب أعداء الله، بحاجة إلى التكامل والتكافل.

    إن على كل شاب أن يعلم من العلم ما يقوده إلى حسن العمل، فيتخذ موقعه المناسب حسب قدرته وموهبته وحاجة الأمة إليه، والعلم بشئون الدنيا وأمورها مطلوب إذا كان طريقاً لعز أمة الإسلام وقوَّتها، حيث الابتكار والاختراع والتفوق، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

    واحذروا الوقوف عند حدود الأماني، والاقتصار على الكلام والمقترحات المجردة، فذلك يفتح أبواباً مَخُوفَة من الجدل الطويل، والثرثرة القاتلة للوقت والجهد والمواهب، وما الأماني إلا رءوس أموال المفاليس.

    فاتقوا الله جميعاً أيها المؤمنون، واعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة:105].

    رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74].

    نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، وهدانا صراطه المستقيم، وجنَّبنا طريق أصحاب الجحيم.

    وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



    أعلى الصفحة


    شغل وقت الشباب بالطاعات أمان من ضياعهم في متاهة الأهواء




    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بالرحمة والهدى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن بنهجهم اهتدى.

    أما بعد:

    فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله أيها الناشئة، واعلموا أن للعمر أجلاً، والآمال عريضة بحر لا ساحل له، فسارعوا إلى العمل الصالح، واحفظوا لحظات العمر، واشغلوا الوقت بما ينفع في العاجل والآجل.

    إن الشاب إن لم ينشغل في مشروعات الخير والجهاد والمجاهدة والإنتاج المثمر نهبته الأفكار الطائشة، وعاش في دوامة من النـزاهات والمهازل.

    إن شغل الأوقات وشحنها بالأعمال والواجبات والانتقال من عمل إلى عمل، ومن مهمة إلى مهمة -ولو كانت خفيفة يسيرة- يحمي المرء من علل البطالة ولوثات الفراغ.

    والنفس -كما قال الإمام الشافعي رحمه الله- إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. وإن الأمة تتخلص من مفاسد كثيرة وشرور عريضة لو أنها تحكمت في أوقات الفراغ لأبنائها، وليس بالإفادة منها بعد أن توجد، ولكن أيضاً بإيجاد ترتيب لا يكون معه فراغ قاتل.

    إن مشاعر الخوف والقلق والحقد والغيرة والحسد لا تندفع إلى النفس الإنسانية إلا حينما تكون فارغة غير مشغولة، وإن توزيع التكاليف الشرعية في الإسلام منظور فيه إلى هذه الحقيقة.

    إن شرائعه تدور على الجهاد والمجاهدة؛ مجاهدة النفس، ومجاهدة الناس، فالصلوات الخمس في ترتيبها وتوزيعها، والعبادات الأخرى في واجباتها ونوافلها بدنية ومالية، والأذكار بكرة وعشياًَ، قياماً وقعوداً وعلى المضاجع، والحرف والمهن، والقيام بالحقوق للقريب والبعيد، كل ذلك جهادات ومجاهدات تستغرق العمر كله لحظة لحظة، لا تبقي فرصة للغفلات والذهولات.

    فاتقوا الله عباد الله، واعملوا صالحاً، وسيروا على النهج، وأصلحوا النشء.

    ثم صلوا وسلموا على المبعوث بالحق رحمة للعالمين، نبيكم محمد بن عبد الله، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز من قائل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأزواجه وذريته.

    وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، وعن سائر الصحابة أجمعين والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.





    رد مع اقتباس  

  2. #32 رد: أكبر مكتبة تضم خطب الجمعة لكبار أئمة الحرم المكي والنبوي 
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    محاضرة 32

    التشبه وروح الانهزام في الأمة / بن حميد

    شبابنا اليوم قد انجروا وراء الغرب تشبهاً بلبسهم وبكلامهم وبقصات شعرهم . إلخ، والله جل وعلا قد ميز كل أمة عن غيرها بمميزات، وعزة الإسلام تكمن في تميز أهله عن غيرهم من أهل الباطل.

    وقد ساق الشيخ في هذا الدرس أحاديث في تحريم التشبه بالكافرين، كما ذكر مجالات التشبه، وبين خطر التشبه على الأمة الإسلامية.

    ونبه إلى ضرورة الاستفادة من الآخرين في الصناعات والتقدم التقني، وأنه ليس تشبهاً ولا يدخل ضمن مجالات التشبه.

    تميز الأمم بعضها عن بعض والحكمة من ذلك




    الحمد لله الذي لم يزل بصفات الكمال متصفاً، جوادٌ كريم إذا وعد أنجز ووفى، تواب حليم إذا عصي تجاوز وعفا، أحمده سبحانه وأشكره على ما بسط من آلائه وأوفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو حسبي وكفى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أزكى البرية أصلاً، وأعلى الأنام شرفاً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأئمة الحنفاء السادة الخلفاء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى.

    أما بعد :

    فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله -رحمكم الله- فإن تقوى الله عروة ما لها انفصام، من استمسك بها حمته -بإذن الله- من محذور العاقبة، ومن اعتصم بها وقته من كل نائبة، فعليكم بتقوى الله فالزموها، وجدوا في الأعمال الصالحة واغتنموها، فالزمان يطوي مسافة الأعمار، وكل ابن أنثى راحل عن هذه الدار.

    أيها المسلمون! قضت سنة الله -عز وجل- في هذه الدنيا أن يتصارع الحق والباطل، ويتدافع الهدى والضلال، ويتنازع الصلاح والفساد، وفي محكم التنزيل: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:25]، ويقول سبحانه وتعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40].

    فالتدافع في هذه الدنيا قائم بلا انقطاع، والتنازع سِرٌّ من أسرار هذه الحياة، وناموس من نواميس الله في خلقه، يجري على قدر، وينتهي إلى غاية، تدبير من حكيم عليم، ولقد كان من مقتضى ذلك أن تتعدد المجتمعات في صفاتها، وتتنوع في سماتها، فتلتقي كل جماعة على صفات عامة تؤلف بينها، وتشد بنيانها، وتوثق تماسكها، وتوحد صفوفها، لتبدو كالجسد الواحد، وفي ذات الوقت تتميز كل جماعة أو مجموعة عن غيرها بخصائص وعوامل تجعلها ذات استقلال وانفراد، فتشابه أفراد المجموعة يحفظها من التشتت والتفكك، وأما مخالفتها لغيرها فيحميها من الذوبان والاضمحلال، ودين الإسلام -وهو دين الفطرة- يقرر هذه السنة الإلهية، والنظام الرباني، فقد جعل الله الناس أمماً، كما جعلهم شعوباً وقبائل، فقال سبحانه: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ * وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الحج:67-69].

    ويقول سبحانه: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة:48] وفي هذا الباب وبمقتضى هذه السنن حرص الإسلام على تميز المسلمين عن سائر الأمم بوصفهم أمة مسلمة، فلقد دلت الدلائل والنصوص على حفظ هذا الدين ورعاية تميزه واستقلاله، وخلوصه من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعته ومنهاجه أقوالاً وأفعالاً ومظاهر تباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، وتخالف طريق الكفار والمشركين، والمجوس والوثنيين.


    التحذير من التشبه بالكفار




    إن دين الإسلام مبني على الابتعاد عن مشابهة الكفار، ومن أعظم مقاصد الدين وأصوله تميز الحق وأهله عن الباطل وأهله، وبيان سبيل الهدى والسنة والدعوة إليه، وكشف سبيل الضلالة والتحذير منه، وقد أوضح ذلك نبينا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وفصَّله، وأمر أمته بمخالفة الكفار في جميع أحوالهم في العقائد والعبادات، والعادات والمعاملات، والآداب والسلوك.

    عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم } رواه أحمد في مسنده ، ,وأبو داود في سننه ، وحسنه الحافظ ابن حجر ، وصححه الحافظ العراقي .

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: هذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، وفي الحديث الآخر: {ليس منا من تشبه بغيرنا } رواه الترمذي .

    وقد تكاثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : {خالفوا المشركين } {خالفوا المجوس } {خالفوا اليهود } {خالفوا أهل الكتاب } { ومن تشبه بقوم حُشر معهم }.

    وقد أورد أهل العلم على هذا أكثر من مائة دليل، قالوا: "حتى في الصلاة التي يحبها الله ورسوله شُرع لنا تجنب مشابهتهم حتى في مجرد الصورة، كالصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، فريضةً كان ذلك أو تطوعاً".

    ويقرر جمعٌ من أهل العلم أن التشبه وجه من وجوه المودة والموالاة، مما يدخل في قوله سبحانه : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22].



    مجالات التشبه بالكافرين



    أيها المسلمون! والتشبه يكون بفعل الشيء لأجل أن الأعداء فعلوه، ومن فعل شيئاً لأن غيره قد فعله فقد تشبه به، ومن تبع غيره في فعل منسوب إليه فقد تشبه به، والمتشبه محب لمن يتشبه به، ومحب لعاداته: {والمرء مع من أحب } والإنسان ميَّال بطبعه إلى نظيره وشبيهه، وهذه طبيعة الإنسان مفطورٌ عليها، وهذا يورث مودة وألفاً، فمن تشبه بقوم أو طائفة وجد في قلبه أنساً بهم وميلاً إليهم، كما يجد نفوراً وابتعاداً ممن يخالفه أو يعارضه، وقد شهد الحس والوجدان بأن النفوس مجبولة على حب من يتبعها، ومن تشبه بغيره في مظهره وعادته وسلوكه ولغته أو أي شيء من أشيائه، فإنه يولد إحساساً بالتقارب، وشعوراً بالتعاطف، والطيور على أشباهها تقع، فإذا كانت المشابهة في الأمور الدنيوية تورث مثل هذه المحبة والمودة والميول والمشاكلة؛ فكيف بأمور الدين والتربية والأخلاق والإعجاب بأحوال الأعداء ومبادئهم ونظمهم؟ فإنَّ إفضاءها إلى أنواع من الموالاة أكثر وأشد مما قد يقود الواقع فيها إلى الدخول في قضايا الإيمان ومسائل الاعتقاد.

    أيها المسلمون! ومن أجل هذا فقد تكاثرت النصوص وتواترت في التحذير من التشبه بالكفار في جميع مللهم وعقائدهم، وفي كل ما له صلة بالعقائد والعبادات والعادات، ففي باب العقائد جاء النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن الغلو في الصالحين، واتخاذ القبور مشاهد ومزارات والبناء عليها، كما جاء النهي عن التفرق في الدين، وعن العصبيات والتحزبات والشعارات، وكذلك النياحة على الميت، والفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، وحمية الجاهلية.

    وفي العبادات ورد النهي في مسائل كثيرة من أبواب الأذان والمساجد، والصلاة في أوقات صلاتهم أو هيئاتها، والصيام في أوقات صيامهم، والحج على طريقتهم، والنكاح والذبائح والأعياد.

    وفي العادات والآداب من اللباس والزي والزينة، والطعام، وتوفير اللحى، وحف الشوارب، وتغيير الشيب، وطريقة إلقاء السلام، والجلوس، والاضطجاع، والأكل بالشمال، والتختم بالذهب، وإسبال الثياب، وحمل الصور، واصطحاب الكلاب، والفن الساقط، والطرب، ومزامر الشيطان.



    أعلى الصفحة



    خطر التشبه بالكفار



    إن التشبه بالكفار عقائدهم وعباداتهم إظهار لأديانهم الباطلة وعباداتهم الفاسدة ونشرٍ لها، والتشبه بالعادات والصفات إهانة للأمة، وشعور بالضعف والذلة، والتبعية والدونية.

    وإن المخالفة فيما أمر المسلمون فيه بالمخالفة مصلحة في الدين، وإبقاء عليه، وحفظ له من أسباب الانحلال، كما أن الموافقة فيما نهي عن الموافقة فيه مضرة بالدين وموقعة في أسباب الانحلال.

    ومع الأسف! فقد نبتت نابتة في العصور المتأخرة، وفي أعقاب الزمن ذليلة مستعبدة، ديدنها التشبه والاستخذاء، ووجد في بعض أهل الرأي وبعض الضعاف من المنتسبين إلى العلم من يهون أمر التشبه بالكفار في اللباس والهيئات والمظهر والخلق، حتى صاروا مسخاً في الأمة، فترى الاستئناس بأحوال الأعداء، والرضا عن مسالكهم، وازدراء المسلمين وتنقصهم، والتنكر للجميل من عوائدهم ومحافظتهم واحتشامهم في سلوكم ولباسهم، ومن انسلخ من عوائد أهل دينه فقد أبرز شأن أعدائه وقدم أمرهم على أمر المسلمين.

    إن كثيراً منهم يعيشون تشبهاً يقود إلى الذوبان والانحلال والتهتك، بل يقود إلى الفسوق والفجور والحرية المتفلتة، والاختلاط المحرم، وقبول التبرج والسفور، وإبداء الزينة المحرمة، وبسبب الغفلة عن هذه القضية، ضعفت معنويات كثير من المسلمين، وتضعضعت أحوالهم، وتبلبلت أفكارهم، ونشأت فيهم النظريات الهدامة، والأفكار المنحرفة، في عقولهم وديارهم، وشب فيهم فئات لا تعرف للدين منزلة، ولا تعترف للفضيلة بوزن، مظاهر التغريب، وبواطن الانحراف في الأخلاق والعادات، والإفراط في أنواع من الفسوق والفجور، وانتشار الجرائم، مما لم يكن معهوداً في أوساط المسلمين، ترى ما الذي أصاب فئات من أبناء الأمة، فتساقطوا في أحضان الأعداء، خفة في الوزن، وضعة في القدر، فلا دين لله أقاموا، ولا أعداؤهم لهم صدقوا وأخلصوا، فمهما قدم هؤلاء الضعاف من تنازلات وذابوا في شخصيتهم ولاقوا رطانتهم فلن يجدوا ناصراً، ولن يكسبوا وداً: أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ [الملك:20].

    أيها المسلمون! إن التحذير من التشبه هو دعوة المصلحين الخُلَّص من حُرَّاس الملة، إنهم مُصلحون أبصروا بالعلل وأسباب الهزائم، وفقهوا طرق العزة وأسباب طمس الهوية ومسالك التبعية من مظاهر الشخصية، والحياة والتفكير مصلحون يدركون أن صحة الطريق بصفاء التميز وتأكيد الخصوصية.

    فمن كان شحيحاً بدينه، راغباً في خلاص مهجته من عذاب الله فليتق الله، وليلزم هدي الإسلام، ويتبع سبيل المؤمنين، وليحذر طريق المشركين، والمغضوب عليهم والضالين.

    فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:30-32].

    نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد صلى الله عليه وسلم.

    وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



    أعلى الصفحة


    الاستفادة من الآخرين في أمور الدنيا




    الحمد لله خلق النفوس فألهمها فجورها وتقواها، وأرشدها إلى هداها، وحذرها من رداها، أحمده سبحانه وأشكره، شكر من عرف نعمه فرعاها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رضيت به رباً وإلهاً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرفع الخلق قدراً، وأعظمهم جاهاً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    عباد الله! لقد أكمل الله هذا الدين ورضيه، وأتم به على المسلمين نعمته الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3]، فكانت هذه الأمة بالإسلام خير الأمم، ومن المعلوم قطعاً وجزماً أن هذه الخيرية نابعة من كمال دينها، وصفاء عقيدتها، ووفاء شريعتها، لا تكون العزة ولا يتحقق السمو إلا به، بل لا تكون النجاة في الدارين إلا بطريقه، والبشر محتاجون إليه حاجتهم إلى الغذاء والهواء، ومن كمال الدين واكتمال الصورة التفريق البين في ديننا بين منع المشابهة في العقائد والأحكام والأخلاق وبين مشروعية الإفادة مما عند الآخرين من علوم ومعارف وصناعات وأساليب تجارة، ووسائل تقانة، فهذا غير تشبه؛ لأن العلوم والصناعات ترجع -بإذن الله وتوفيقه- إلى الجهود البشرية البحتة من المعلومات والمعقولات والتجارب، كما أن باب البر والصلة، والإحسان والعدل شيء غير الموالاة والمودة: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].

    إن الإسلام لم يُحفظ كيانه، ولم يحتفظ بقوته إلا بالاستقلال في شريعته، وانفراده بأخلاقه ومبادئه، وبعده عن التشبه القائد إلى الذوبان، والمروق والانحلال.

    ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- واعرفوا فضل الله ومنته، وعظموا أمر دينكم، وقدروه قدره، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكنَّ المنافقين لا يعلمون.

    ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أُمرتم بذلك في كتاب الله، فقال ربكم جل في علاه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضِ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وفضلك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وعبادك الصالحين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتأييد والتسديد إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذه بناصيته للبر والتقوى، وأيده بالحق وأيد الحق به، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة لأوليائك، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين.

    اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، واتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمعهم على الحق يا رب العالمين.

    اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك، لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان ، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم سدد سهامهم وآراءهم، وأنزل عليهم نصراً من عندك، اللهم واخذل اليهود ومن شايعهم، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعل بأسهم بينهم.

    اللهم وأرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب! اهزم اليهود واخذلهم، وزلزل الأرض من تحتهم، اللهم واجعل بأسهم بينهم فإنهم لا يعجزونك.

    اللهم إنهم قد طغوا وبغوا وآذوا وأفسدوا وعتوا في الأرض فساداً، وعتوا في عباد الله تقتيلاً وتنكيلاً وهدماً وتشريداً، اللهم عليك بهم، واكفناهم بما شئت يا رب العالمين.

    اللهم وارفع عنا الغلاء والوباء والربى والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.





    رد مع اقتباس  

  3. #33 رد: أكبر مكتبة تضم خطب الجمعة لكبار أئمة الحرم المكي والنبوي 
    اختي ضـيء الامل

    والله موضوع بمنتهى الروعة

    جزاك الله خير

    وخصوصا اللي يكون متضايق ويقرأ فيه والله يرتاح نفسيا

    اسمحي لي بنقله مع ذكر المصدر


    الله ينور طريقك


    اخوك:ابوراوية






    رد مع اقتباس  

  4. #34 رد: أكبر مكتبة تضم خطب الجمعة لكبار أئمة الحرم المكي والنبوي 
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    تفضل اخوي اصلا الموضوع برمته منقول ايضا وليست اجتهادات مني الله يجزى خير من كتب وفرغ هالمحاضرات





    رد مع اقتباس  

  5. #35 رد: أكبر مكتبة تضم خطب الجمعة لكبار أئمة الحرم المكي والنبوي 
    المشاركات
    613
    جزاك الله كل خير اختي ضي الامل





    رد مع اقتباس  

  6. #36 رد: أكبر مكتبة تضم خطب الجمعة لكبار أئمة الحرم المكي والنبوي 
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    هلا فيكي غاليتي عبق الزهور منورة الموضوع بحضورك انتظري البقية باذن الله





    رد مع اقتباس  

  7. #37 رد: أكبر مكتبة تضم خطب الجمعة لكبار أئمة الحرم المكي والنبوي 
    /
    /

    جزااك الله الجنه على ماقدمتيه

    وجعله في موازين حسناااتك

    لاعدمناااكــِ. يانور المنتدى






    رد مع اقتباس  

  8. #38 رد: أكبر مكتبة تضم خطب الجمعة لكبار أئمة الحرم المكي والنبوي 
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    هلا وغلا فيكي احساسس ملكة منورة غاليتي





    رد مع اقتباس  

  9. #39 رد: أكبر مكتبة تضم خطب الجمعة لكبار أئمة الحرم المكي والنبوي 
    ضي الأمل غير متواجد حالياً T৵હ.¸ اللهم إغفر لها وتغمدها برحمتك "¸.હ৵
    المشاركات
    16,625
    محاضرة 33
    كيف تلهو؟! للشيخ الشريم

    الفراغ نعمة مغبون فيها كثير من الناس، وقد جاءت الحضارة الجديدة والعولمة الحرة لتزيد هذا الفراغ اتساعاً، وقد جاء الإسلام فوضع أسساً وضوابط يتعامل فيها المسلم مع الفراغ مع الاهتمام بجانب الترفيه والترويح عن النفس.

    الفراغ مشكلة الحضارة الجديدة والعولمة الحرة




    الحمد لله المتوحد بالجلال بكمال الجمال تعظيماً وتكبيراً، المتفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديراً وتدبيراً، المتعالي بعظمته ومجده الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ عنهم فمات فميتته جاهلية.

    أيها المسلمون: إن حياة الناس بعامة مليئة بالشواغل والصوارف المتضخمة، والتي تفتقر من حيث الممارسات المتنوعة إلى شيء من الفرز والترتيب لقائمة الأولويات، مع عدم إغفال النظر حول تقديم ما هو أنفع على ما هو نافع فحسب، ثم إن الضغوط النفسية والاجتماعية الكبيرة الناتجة عن هذا التضخم ربما ولدت شيئاً من النهم واللهث غير المعتاد تجاه البحث عما يبرد غلة هذه الرواسب المتراكمة ويطفئ أوارها.

    إن الحضارة العالمية اليوم قد عنيت بإشعال السلاح، ورفع الصناعة، وعولمة بقاع الأرض، تلكم الحضارة التي حوَّلت الإنسان إلى شبه آلة تعمل معظم النهار -إن هي عملت- ليكون ساهراً أو سادراً أو خامداً ليله، هذه هي الثمرة الحاصلة ليس إلا.

    إن تلكم الحضارة برمتها لم تكن كفيلة في إيجاد الإنسان العاقل الإنسان المدرك الإنسان الموقن بقيمة وجوده في هذه الحياة وحكمة خلق الله له، بل إنما فيها من آليات متطورة وتقنيات، كان سبباً بصورة ما في إيجاد شيءٍ من الفراغ في الحياة العامة، مما ولد المناداة في عالم الغرب بما يُسمى علم اجتماع الفراغ، وإن لم يكن هذا الفراغ فراغ وقت على أقل تقدير فهو فراغ نفسٍ، وفراغ قلبٍ، وفراغ روح، وأهدافٍ جادةٍ، ومقاصد خالية من الشوائب.

    يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6]، لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:1-4].

    إن الحضارة العالمية حينما تُوفِّر للإنسان -بالتقدم العلمي والجهد الصناعي قوة الإنسان ونشاطه- مزيداً من الوقت، ثم يكون في نفسه وقلبه وروحه ذلك الفراغ، فهنا تحدث المشكلة، ويكمن الداء، الذي يجعل أوقات الفراغ في المجتمعات تعيش اتساعاً خطيراً، حتى صارت عبأً ثقيلاً على حركتها وأمنها الفكري والذاتي، ومنفذاً لإهدار كثيرٍ من المجهودات والطاقات المثمرة.

    إن غياب الضبط والتحليل والترشيد للظاهرة الحضارية الجديدة المنشأة -أوقات الفراغ- ليمثلُ دليلاً بارزاً على وجود شرخٍ في المشروع الحضاري والعولمة الحرة، غير بعيدٍ أن تؤتى الأمة المسلمة من قبله، وإن عدم وعينا التام بخطورة هذا المسلك تجاه أوقات الفراغ، وعدم وعينا التام بالمادة المناسبة لشغل تلك الأوقات في استغلال العمليات التنموية والفكرية، والاقتصادية البناءة، لجدير بأن يقلب صورته إلى معول هدمٍ يُضاف إلى غيره من المعاول -من حيث نشعر أو لا نشعر- التي ما فتئ الأجنبي عنها يبثها ليل نهار؛ لنسخ حضارة المسلمين على كافة الأصعدة بلا استثناء، كيف لا! ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ } رواه البخاري .


    الإسلام دين صالح للواقع والحياة




    إن الإسلام دين صالح للواقع والحياة، يُعامل الناس على أنهم بشر لهم أشواقهم القلبية وحضوضهم النفسية، فهو لم يفترض فيهم أن يكون كل كلامهم ذكراً، وكل شرودهم فكراً، وكل تأملاتهم عبرة، وكل فراغهم عبادة! كلا. ليس الأمر كذلك، وإنما وسع الإسلام التعامل مع كل ما تتطلبه الفطرة البشرية السليمة من فرح وترح، وضحك وبكاء، ولهو ومرح، في حدود ما شرعه الله، محكوماً بآداب الإسلام وحدوده.

    عباد الله: إن قضية إشغال الفراغ باللهو واللعب والفرح، لهي قضية لها صبغة واقعية على مضمار الحياة اليومية، لا يمكن تجاهلها لدى كثيرٍ من المجتمعات، بل قد يشتد الأمر ويزداد عند وجود موجبات الفراغ كالعطل ونحوها، حتى أصبحت عند البعض منهم مصنفة ضمن البرامج المنظمة في الحياة اليومية العامة، وهي غالباً ما تكون غوغائية تلقائية ارتجالية، ينقصها الهدف السليم ولا تحكمها ضوابط زمانية ولا مكانية فضلاً عن الضوابط الشرعية، وما يحسن من اللهو وما يقبح.


    مفهوم الترويح والترفيه في الإسلام




    عباد الله: الترويح والترفيه هو إدخال السرور على النفس، والتنفيس عنها، وتجديد نشاطها، وزمها عن السآمة والملل، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم إبَّان حياته يُؤكد أحقية هذا الجانب في حياة الإنسان، يقول سماك بن حرب : قلت لـجابر بن سمرة : {أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. كان طويل الصمت، وكان أصحابه يتناشدون الشعر عنده، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، ويضحكون، فيبتسم معهم إذا ضحكوا } رواه مسلم .

    وأخرج البخاري في الأدب المفرد ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: [[لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منحرفين، ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الأشعار في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أُريد أحدهم على شيءٍ من دينه دارت حماليق عينيه ]].

    وذكر ابن عبد البر رحمه الله عن أبي الدرداء أنه قال:[[إني لأستجم نفسي بالشيء من اللهو غير المحرم فيكون أقوى لها على الحق ]].

    وذكر ابن أبي نجيح عن أبيه قال: [[قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني ليعجبني أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي، فإذا بُغي منه حاجة وُجِدَ رجلاً ]]، وذكر ابن عبد البر عن علي رضي الله عنه أنه قال: [[أجموا هذه القلوب والتمسوا لها طرائف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان ]].

    يقول ابن الجوزي : "ولقد رأيت الإنسان قد حمل من التكاليف أموراً صعبة، ومن أثقل ما حمل: مداراة نفسه، وتكليفها الصبر عما تحب وعلى ما تكره، فرأيت الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية والتلطف للنفس".

    وبمثل هذا تحدث أبو الوفاء ابن عقيل فقال: "العاقل إذا خلا بزوجاته وإمائه لاعب ومازح وهازل، يعطي للزوجة والنفس حقهما، وإن خلا بأطفاله خرج في صورة طفل، وهجر الجد في بعض الوقت".

    هذه بعض الشذرات حول مفهوم اللهو والتسلية والترويح، يُؤكد من خِلاله أن الإسلام قد عني بهذا الجانب حق العناية؛ غير أننا نود أن نبين هنا وجه الهوة السحيقة بين مفهوم الإسلام للترويح والتسلية، وبين اللهو والمرح في عصرنا الحاضر، والذي هو بطبيعته يحتاج إلى دراسات موسعة تقتنص الهدف للوصول إلى طريقة مُثلى للإفادة منها في الإطار المشروع، فينبغي دراسة الأنشطة الترويحية الإيجابية منها والسلبية، والربط بينها وبين الخلفية الشرعية والاجتماعية للطبقة الممارسة لهذا النشاط، ومدى الإفادة من الترويح، والإبداع في الوصول إلى ما يُقرِّب المصالح ولا يُبعدها، وما يُرضي الله ولا يُسخطه، وتحليل الفعل وردود الفعل بين مُعطيات المتطلبات الشرعية والاجتماعية، وبين متطلبات الرغبات الشخصية المشوهة، وأثر تلك المشاركات في إلكاء الطاقات والكفاءات الإنتاجية العائدة للأسر والمجتمعات بالنفع في الدارين.



    ولكن ساعة وساعة



    إن علينا جميعاً كمسلمين أن نشد عزائمنا؛ لصيانتها ما أمكن من أي ضياعٍ في مرحٍ أو لهوٍ غير سليم، أو مما إثمه أكبر من نفعه، فلا ينبغي للمسلمين أن يُطلقوا لأنفسهم العنان في الترويح، بحيث يزاحموا آفاق العمل الجاد، واليقظة المستهدفة، ولا أن يشغل عن الواجبات، أو تضييع الفرائض والحقوق بسبب الانغماس فيه، إذ ليس استباحة الترويح مضيعة للجد وما هو إلا ضربٌ من ضروب العون وشحذ الهمة على تحمل أعباء الحق، والصبر على تكاليفه، والإحساس بأن ما للجد أولى بالتقديم مما للهو والترويح، وبهذا يُفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم لـحنظلة بن أبي عامر -رضي الله عنه- وقد شكا إليه تخلل بعض أوقاته بشيءٍ من الملاطفة للصبيان والنساء، فقال له صلى الله عليه وسلم: {ولكنْ ساعةً وساعة } أمَّا أن يُصبح الترويح للنفس طابع الحياة في الغدو والآصال، والخلوة والجلوة، وهماً أساسياً من هموم المجتمعات في الحياة، فهو خروج به عن مقصده وطبيعته، واتجاه بالحياة إلى العبث والضياع، والإنسان الجاد عليه أن يجعل من اللهو والترويح له ولمن يعوله وقتاً ما، ويجعل للعمل والجد أوقاتاً لا العكس، لاسيما ونحن نعيش في عصرٍ استهوت معظم النفوس فيه كل جديد وطريف، حتى صارت أكثر انجذاباً إلى احتضان واعتناق ما هو وافد عليها في ميدان اللهو والمرح.

    ولا غرو في ذلك عباد الله! فإن الاسترخاء الفكري وهشاشة الضابط القيمي لدى البعض منا هما أنسب الأوقات لنفاد الطرائف والبدائع إلى النفوس، وهنا تكمل الخطورة ويستفحل الداء.



    أعلى الصفحة



    أخطار اللهو المنفتح على الأمة الإسلامية



    إن اللهو المنفتح والذي لا يُضبط بالقيود الواعية؛ إنه ولا شك يتهدد الأصالة الإسلامية لتُصبح سبهللاً بين خطرين، أحدهما: خطر في المفاهيم؛ إن كان هناك شيءٌ من بعض المسابقات تدعى ثقافية تقوم في الغالب على جمعٍ للتضاد الفكري، أو تنمية الصراع الثقافي، أو تصديع الثوابت المعلوماتية لدى المسلمين، بقطع النظر عن التفسير المادي للتاريخ والحياة، أو على أقل تقدير: الإكثار من طرح ما علمه لا يحتاج إليه الذكي، ولا يستفيد منه البليد.

    والخطر الثاني عباد الله: تلك التي تُعدّ وسائل للترويح والتسلية عبر القنوات المرئية التي تنتج مفاهيم مضللة عبر طرق جذابة في الثقافات والشهوات لاسترقاء الفكر؛ من خلال فنون أو أساطير أو عروض لما يفتن، أو للسحر والشعوذة وما شاكلها، ونتاج الخطرين ولا شك تمزقٌ خطير متمثل في سوء عشرة زوجية، أو تباين أفراد أسرة إسلامية، ناهيكم عن القتل والخطف، والانتحار والتآمر، والمخدرات والمسكرات، وهلمَّ جرَّاً.

    وما حال من يقع في هذا الترويح إلا كقول من يقول: "وداوني بالتي كانت هي الداء!" أو كما يتداوى شارب الخمر بالخمر، فلرب لهوٍ لمرةٍ واحدة يقضي على برجٍ مشيدٍ من العلم والتعليم للنفس.

    ويالله كم من لذة ساعة واحدة أورثت حزناً طويلاً: إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:95-96].

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.



    أعلى الصفحة


    ضرورة ضبط الترويح بالضوابط الشرعية




    الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه.

    أما بعد:

    أيها الناس: اتقوا الله واعلموا أن شريعة الإسلام شريعةٌ غراء، جاءت بالتكامل والتوازن والتوسط، ففي حين أن فيها إعطاء النفس حقها من الترويح والتسلية؛ فإن فيها كذلك ما يدل على أن منه النافع ومنه دون ذلك، فقد صح عند النسائي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كل لهوٍ باطل غير تأديب الرجل فرسه، وملاعبته لأهله، ورميه لسهمه. } قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله معلقاً على هذا الحديث: "والباطل من الأعمال هنا ما ليس فيه منفعة ولم يكن محرماً، فهذا يُرخص فيه للنفوس التي لا تصبر على ما ينفع، وهذا الحق في القدر الذي يحتاج إليه في الأوقات التي تقتضي ذلك؛ كالأعياد، والأعراس، وقدوم الغائب. ونحو ذلك".

    ويقول ابن العربي -رحمه الله- عن هذا الحديث: "ليس مراده بقوله باطل أي أنه حرام، وإنما يريد به أنه عارٍ من الثواب، وأنه للدنيا محض لا تعلق له بالآخرة والمباح منه باقي".

    عباد الله: هذا في اللهو المباح وأما اللهو المحرم، أو اللهو المباح الذي قد يفضي إلى محرم، فاستمعوا -يا رعاكم الله- إلى كلام البخاري رحمه الله في صحيحه حيث يقول: (باب: كل لهوٍ باطلٌ إذا أشغله عن طاعة الله) يعلق الحافظ ابن حجر على هذا فيقول: "أي: كمن التهى بشيء من الأشياء مطلقاً، سواءً كان مأذوناً في فعله أو منهياً عنه؛ كمن اشتغل بصلاة نافلة، أو بتلاوة، أو بذكر، أو تفكر في معاني القرآن مثلاً، حتى خرج وقت الصلاة المفروضة عمداً، فإنه يدخل تحت هذا الضابط، وإذا كان هذا في الأشياء المرغب فيها المطلوب فعلها فكيف حال ما دونها".

    فالحاصل -أيها المسلمون- أن الترويح والفرح ينبغي أن يخضع للضوابط الشرعية، وألا يبغي بعضها على حدود الله، والله يقول: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229] ألا وإن من أراد أن يفرح ويلهو فليكن فرح الأقوياء الأتقياء، وهو في نفس الوقت لا يزيغ ولا يبغي بل يتقي الأهازيج والضجيج التي تقلق الذاكر، وتكسر قلب الشاكر.

    ولله ما أحسن كلام أبي حامد الغزالي الذي يصف فيه الباغين في اللغو العابثين فيه الوالهين به، دون رصدٍ للحق أو رعاية للحدود، فقال في إحيائه عن مرحهم: "إنه من مشوشات القلب إلا في حق، أقوياء فقد استخفوا عقولهم وأديانهم من حيث لم يكن قصدهم إلا الرياء والسمعة وانتشار الصيت، فلم يكن لهم قصد نافع، ولا تأديب نافذ؛ فلبسوا المرقعات، واتخذوا المتنزهات؛ فيظنون بأنفسهم خيراً، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ويعتقدون أن كل سوداء تمرة، فما أغزر حماقة من لا يميز بين الشحم والورم، فإن الله تعالى يُبغض الشباب الفارغ، ولم يحملهم على ذلك إلا الشباب والفراغ: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الجمعة:11].

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.





    رد مع اقتباس  

صفحة 4 من 4 الأولىالأولى ... 234

المواضيع المتشابهه

  1. كيكة على شكل الحرم المكي الشريف
    بواسطة ملكة الأماكن في المنتدى قسم الحلويات والمشروبات والايس كريم
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 02-Feb-2012, 09:53 PM
  2. مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 30-Sep-2009, 06:28 AM
  3. صور للحرم المكي و الحرم النبوي قديما.
    بواسطة D.O.D.I في المنتدى صور اسلامية
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 02-Sep-2008, 03:13 AM
  4. ™« مصحف الحرم المكى من صلاة التراويح لعام 1426هـ لأئمة الحرم الاربعة »™
    بواسطة هووواوووي في المنتدى تحميل و استماع اناشيد و صوتيات الاسلامية
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 14-Dec-2007, 04:45 AM
  5. سر؟برودة بلاط الحرم المكي
    بواسطة سعوديه وافتخر في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 28-Aug-2006, 05:20 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

المفضلات
المفضلات
ضوابط المشاركة
  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •